الثلاثاء 19 يونيو 2018
تصويت
مقالات
الأثنين 19 فبراير 2018 | 09:52 مساءً
| عدد القراءات : 2355
البائسون والمطر/ عمر تحسين الحياني

عندما ترى مواطنا ينهال بكافة عبارات الشكر والثناء والمديح على السيد المسؤول لإجابته المناشدة في شفط مياه الأمطار من أمام بيته الذي كاد أن يغرق أو شارعه أو محلته فتأكد أن المواطن غبي بامتياز حيث كان عليه معاقبة المسؤول لعدم إنشائه شبكات الصرف الصحي لا شكره على دعاياته الانتخابية المبكرة. سأقولها شكراً مثلما قالها قباني:

 

شكراً لكم..

فحبيبتي قُتلت.. وصار بوسعكم

أن تشربوا كأساً على قبر الشهيدهْ

وقصيدتي اغتيلت

وهل من أمةٍ في الأرضِ..

- إلا نحنُ - تغتالُ القصيدة؟

 

شكراً سيادة المسؤول إذ استنفر كل موظفيه لنجدة مناطق كادت تغرق بسبب سرقته رأسمال شبكات الصرف الصحي وشكراً للفرنسي (لويس داجير) لاختراعه الكاميرا التي جعلت المسؤول ينجد مناطق عدت للتصوير دون غيرها وشكراً للسماء التي قد أمطرت ماءها غير مبالية لرغيف خبز ذلك البائس الذي يأكل نصفه ويبيع نصفه الآخر لشراء رغيف جديد ليوم جديد كعادته.

 

شكراً للسماء التي ما انتفعنا من مطرها يوماً "فمنذ أنْ كنَّا صغاراً، كانت السماء تغيمُ في الشتاء.. ويهطلُ المطر.. وكلَّ عام – حين يعشب الثرى – نجوع.. ما مرَّ عامٌ والعراق ليس فيه جوع" شكراً لأماني رجال الدين في استسقائهم الذي كان بعيداً عن مخيمات النازحين فلم يشاؤوا الصلاة قرب المخيمات حتى لا يزعجون طفلا نام يحلم أن هلال القمر هو ثمرة موز أو هو قرط أمه التي بات يهذي باسمها قبل أن ينام "فلم يجدها ، ثمَّ حين لجّ في السؤال.. قالوا له: بعد غدٍ تعودْ.. لا بدَّ أن تعودْ" لكنه عالم يقيناً أنها لن تعود فلقد رأى أمام عينيه ذلك الخنزير يقتلها ومن سوء حظه أنه قد نجى!

 

شكراً لأولئك الحمقى الذين ما زالوا يرددون أن "المطر بركة" وهم ينهرون بائساً على قارعة الطريق. عذراً للنساء اللواتي أتعبهن تنظيف البيوت بسبب المطر؛ فلو كان الأمرُ بيدي لأوقفتُ السماء عن مطرها ولو كان بيدي لكشفتُ عن السماء علها تراكن؛ علها ترى كيف يضطهدكم معاشر الرجال فلقد تعلموا بغبائهم الذكوري؛ القبلي المتخلف؛ أن (الرجال قوامون على النساء) وفي الخفاء يسجد أحدهم ما بين الفخذين ليشبع جوعه الحيواني فحسب. عذراً حتى للحُمْق منكن اللواتي إن أنتَ لعنت المطر حزناً عليهن زجرنك ونهينك فلقد تعلمن أن المطر نعمة السماء ونعم الله لا ترد. عذراً لجميعكن فبسبب الطغيان الذكوري أصبحتن جاهلات وبسبب الطغيان نفسه تقدسن الخرافات وتجهلن معنى الحرية. ويبقى المطر بحد ذاته نعمة كبرى تبعث الحب والفرح والجمال لكن ذلك لا يكون في بلدي الذي فيه " ألف أفعى تشرب الرحيق"

 

نسيت شكر ذلك المسؤول الذكي الفطن الذي أوصى بالتقليل في صرف المياه الصالحة للشرب وللوضوء معللاً انسداد شبكات الصرف الصحي بزيادة صرف المواطن للماء مع وجود الأمطار! نعم هو محق فالمواطن كثير الوضوء للصلاة؛ كان عليه التيمم بتراب البصرة لا الوضوء بماء أربيل التي نحسدها على الأمطار معتقدين أن فيها شبكات عظيمة للصرف الصحي وأن المسؤول فيها صالح فهي لا تغرق كبغداد متناسينَ أنها منطقة جبلية لا تقف فيها المياه! فجميع مسؤولي العراق هم لصوص، منهم لصوص الله ومنهم لصوص القومية وتحديد المصير ومنهم لصوص العلمانية والليبرالية والشيوعية. كلهم يسرقون دمك يسرقون حبك يسرقون خبزك يسرقون إنسانيتك.. هم يبيحون لكَ دم أخيك وعرض أخيك وشتم أخيك وقذف أخيكَ.. هم يبحون لكَ كل شيء قبيح ويأملوك في أمل مصلوب أو في حلم معدوم. احلمْ احلمْ.. احلم في أي شيء لكن إياكَ أن تحلمَ بالحرية فسيقتلونك على الفور فالحرية وحدها سبيل الخلاص.