الجمعة 24 مايو 2019
تصويت
مقالات
السبت 11 مايو 2019 | 01:14 مساءً
| عدد القراءات : 962
هل هناك دراما عراقية حقاً/ مرتضى كزار

هذا سؤال بلا علامة استفهام أو تعجب، إنه صياغة لرأي شخصي مفاده بأن مشكلة الدراما العراقية منذ عقود هي أنها «غير موجودة».

الفارق اليوم بأن الدراما المجاورة تطورت كثيراً وتطور معها المشاهد العراقي، بينما توقف عقل صنّاع الدراما عندنا وتخثرت أفكارهم كلياً وسبتوا في وادي الاعتيادية والرتابة. أضف إلى ذلك طبيعة الوسط الثقافي والفني العراقي؛ الذي لا يسمح أبداً بتمرير الجيد والمبتكر، ويطارد أي سيناريو ويغيبه أو يقتل صاحبه رمزياً، هذا وسط يتغذى على سلسلة «التخادم الثقافي» التي تجعل من أفراده كالبنيان المرصوص في مديح بعضهم لبعض؛ وإذا سوّلت لصاحب رأي نفسه أن يدلي برأيه فعقوبته الرجم والطرد والنبذ والاقصاء، وفي أحسن الأحوال؛ إطلاق زعاطيطهم السائبين ضده، بمعنى؛ هذا الوسط الذي نتوقع منه أن ينتج سينما أو دراما جيدة؛ هو من خامة النسيج الفاسد نفسه، هو قطعة لا تتجزأ من خراب الدولة العراقية وبؤسها ورثاثتها.

لك أن تعرض فريم واحد على أدنى متخصص في السينماتوغرافيا لتجعله يتقيأ أسفاً على هذه الميزانيات الصاروخية التي تفشل في ضبط الاضاءة العادية مثلاً!، وقد أبدو قاسياً حينما أقول بأن الكثير ممن نسميهم «فنانين كبار أو قديرين» هم في أجود حالاتهم مثيرين للاشمئزاز وخارج الزمن؛ هؤلاء ومثلهم من كتب الورق وأعدَّ المشاهد، ينبغي حجرهم انتاجياً وحماية الذوق العام منهم، وهذا حقٌ فيما يخص الاعمال التي تنتجها الفضائية الرسمية الممولة من المال العام.

ولو سألتني عن المضمون، فهو في عماده الأساسي مغازلة فجة للاحزاب الاسلامية في العراق، وعلى محورين، الأول: التعامل «الوعظي» والفضائلي في المعالجة الدرامية على طريقة ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، والحال أن مفهوم الدراما منهجياً مفرغ من فكرة الذنوب ولا علاقة له بمحاكمة الخاطئين، لأنك سيناريست ولست إمام جامع.

المضمون الثاني هو تركيزهم على المضمون، متناسين بأن القص بدأ حينما تراجع الاحساس بالمضمون في تاريخ الحكاية.

هناك شيء آخر يتعلق بالتسويق، فهناك من تحصّل على دراية بالألاعيب الاعلامية، وظن أن الاعلام بسلطته وتقنياته سيساعده في تجميل الانحطاط، فراح يتفنن في افتعال المشكلات والحوارات المفبركة، ونحن لا نلومه على ذلك، فالاعلام يدخل اليوم في جب التفاهة العامة، والموضة الدارجة هي : المهم أن تثير جدلاً لا أن تصنع فناً!، لا أحد يبحث عن الجماليات والعمق والهزات الروحية التي تسببها الأعمال العظيمة.

الدراما مثل باقي الفنون والآداب اليوم في المحيط العراقي، متأثرة بموجة الاحتفاء بالتفاهة ومكافأة الغث وتتويج المنحط ابداعياً.

هنالك طبعاً طرف لا يستحسن نقده، وهو الجمهور ، إذ أن نقده بلا معنى، ففي عصر السوشل ميديا أصبح الجمهور جيشاً شبحياً يمكن صناعته وتحضيره وتشكيل رأيه كذلك، أو مايعرف بالسايبر جمهور.

التلفزيون لم يعد كناية للواقع، إنه صياغة أخرى له. ليس عيباً أن تستعين المؤسسة الرسمية بفنيين أجانب أو بكادرات محترفة غير عراقية، لكن طبقة الفساد بين المسؤولين عن الأجهزة الفنية أسمك كثيراً من طبقة فساد السياسيين، وقد تبرز الحاجة إلى سلطة مثقفة شجاعة تغرز المسحاة عميقاً تحت هذا المشهد الثقافي وتقلبه؛ لتبدأ من جديد.