الجمعة 19 أكتوبر 2018
تصويت
مقالات
الخميس 11 أكتوبر 2018 | 04:05 مساءً
| عدد القراءات : 736
من يهتم من العراقيين لأمر بلاده؟

محمد الباسم

إنها الحكومة الرابعة التي يستقبلها العراقيون بعد الاحتلال الأميركي، لكن في الحقيقة، لا أحد يهتم لأمر بلاده. وقد يقول أحدهم: كيف لا يهتم العراقيون، وقد شاركوا بأصواتهم في كل انتخابات مضت لاختيار برلمانيين جدد، ليحلّوا محل القدامى، مع بقاء بعض القدامى في البرلمان كمخضرمين ومشرفين ومقدسين؟!

وقصة هؤلاء المقدسين أكبر من مقالة، فهم آلهة السياسة في العراق، حتى إن نتائجهم في نيل مقعد في البرلمان لا تتضح لغالبية المواطنين، بل إن العراقيين، لا سيما بعد الانتخابات الأخيرة التي أجريت في الثاني عشر من مايو/ أيار الماضي، لم يسألوا عن عدد الأصوات التي حصل عليها نوري المالكي نموذجاً أو أسامة النجيفي، وغيرهم من المتربعين بحمايتهم وحواشيهم وطلباتهم وأمزجتهم على صدور ومصائر الناس، شاءوا أم أبوا، إذاً، من يهتم من العراقيين لأمر بلاده؟

في انتخابات برلمان عام 2005، وهو أول برلمان للعراق يختاره العراقيون بعد إسقاط حكم صدام حسين عبر صناديق الاقتراع، شارك أكثر من نصف الناخبين الذين بلغ عددهم آنذاك أكثر من 12 مليون عراقي، بمعنى أنها كانت انتخابات ناجحة، حظيت بثقة العراقيين، عدا كثير من أصوات المكون العربي السني الذين قاطعوا الانتخابات اعتراضاً على إشراف الأميركان على الانتخابات.

ووفقاً لتقديرات مراقبين فإن المشاركة فيها فاقت 50 في المائة، وانتهت بنتيجة حصول الأحزاب الشيعية التي اعتمدت أساليب الترغيب عبر الخطاب الديني والفتاوى والاتكال على المراجع الدينية على 130 مقعداً، وحصول الأحزاب السنية على 85 مقعداً؛ فيما تمكنت الأحزاب الكردية حينها من ضمان 58 مقعداً.

وجاءت انتخابات عام 2010 مسرعةً برعاية أميركية هي الثانية، ولم يكن المزاج الشعبي قد تبلور حينها، في ما يتعلق بفهم الأغلبية من الناخبين بأمور السياسة ولا حتى شكل إدارة الدولة، في الوقت الذي أعلت الأحزاب سُوجها وأبنية أحزابها لمنع تسرّب ما يدعى بـ"المحاصصة الطائفية والحزبية" إلى المجتمع، فقد كانت أياماً جميلة عاشتها الطبقة السياسية الحاكمة، عدا تحركات زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر لطرد الأميركيين وإعلان العراق بلداً خالياً من الأجانب ذا سيادة واستقلال وقرار، بل وزادت نسبة المشاركة في الانتخابات، إذ كانت حينها نسبة المشاركة أعلى بكثير مما جرى في عام 2005، بعد مشاركة المكون السني، بحسب مفوضية الانتخابات، الجهة المشرفة والإدارية على عملية الاقتراع من أقصى شمال البلاد إلى جنوبها. وأفرزت حينها فوز حزب العلماني العراقي أياد علاوي، وبفارق مقعد واحد لصالح القوى الشيعية مجتمعة مع نظيرتها السنية مجتمعة، حدث ذلك قبيل الكارثة الأمنية السياسية والمشكلات بين الشيعة والسنة، التي انتهت باقتحام تنظيم "داعش" الإرهابي.

يتضح من ذلك أن العراقيين كانوا متطلعين بل وعازمين على تغيير نظام حكم بلادهم، من سيئ إلى جيد، ومن جيد إلى أفضل، مشاركين فاعلين في الانتخابات، حتى مع ازدياد لهجة الطائفية التي باتت عادية وتأثر كثيرون بها، فالأمل حاضرٌ وإن خسرت كل أسرة عراقية شيعية فرداً منها، أو سنية أفراداً منها، برصاص طائش أو متعمد من عصابات إسلامية، أو نيران القوات الأجنبية التي لم تسأل الضحية كيف كانت تصلي، تسدل يداها في الصلاة أو تقبضها؟ ولم تتوقع الطبقة الحاكمة بنظام المشاركة أو المحاصصة، والسيطرة مذهبياً على الوزارات والمرافق المهمة في الدولة، أن عشرات من الإرهابيين العرب والمحليين ستسقط عروشهم في ليلة واحدة، وتفقدهم الهيمنة على أصوات العراقيين.

من بوابتيها الشمالية والغربية، تمكن عناصر تنظيم "داعش" من اقتحام البلاد، بسلاسة لم يتخيلها التنظيم نفسه، فلم تكن حكومة عام 2014، بقيادة نوري المالكي، مسيطرة على حدودها الجغرافية، ولا جنودها وقادتهم الذين فروا مع سماع أول شائعة تفيد بقدوم التنظيم بسيارات وأزياء ورايات كلها سود، فانهار الأمن في الأنبار والموصل ووصل التهديد إلى بغداد، وزهقت حينها آلاف الأرواح البريئة من العراقيين، وملايين الرغبات في تحقيق تقدم في البلاد، أسوة بباقي الدول الخليجية والأوروبية. وتنامى الغضب الشعبي في بغداد، فانطلقت التظاهرات، ورفع شعار الصحوة حينها "باسم الدين باكونا الحرامية"، بمعنى سرقنا ساسة الشيعة والسنة باسم الإسلام. وانخفضت قبل ذلك نسبة المشاركة في الانتخابات بتقدير لم يعرفه ساسة عراق ما بعد 2003، إلى 60%، إذ شارك في الانتخابات 12 مليون عراقي، من أصل 21 مليوناً.

وعلى عكس الفرح السابق بنسب مشاركة مرتفعة، تلقت أحزاب العراق، وهي على الأغلب نفس الأحزاب منذ عام 2003، برموزها وشخصياتها التي بان الشيب عليها وهرمت وتزلف المنطق منها، تلقت أقوى صفعة في تأريخ كثير منها بمشاركة ضئيلة جداً في انتخابات مايو/ أيار الماضي، تسببت بعدها بسلسلة من المشكلات السياسية، إذ إن 19% فقط هي نسبة المشاركة الشعبية فيها؛ هذا ما أعلنته الجهات المستقلة المراقبة للانتخابات، أما الحكومة ومؤسساتها فقد نفت ذلك، مدعية أنها تجاوزت 40%، مع العلم أن أحزاباً كثيرة زوّرت وصادرت واشترت وتوسلت للحصول على نسبة من هذه النسبة الهابطة جداً، فاز على إثرها تحالف "سائرون" التابع لمقتدى الصدر، وتراجعت حظوظ الأحزاب الإسلامية المخضرمة، وأبرزها "المجلس الأعلى" و"حزب الدعوة".

فمن يهتم من العراقيين لأمر بلاده؟ واقعاً، إن المكون العربي السني في العراق منشغل منذ سنوات بترميم انكساراته بعد ضربات "داعش" الكثيرة، والجمهور العربي الشيعي مضطرب وغاضب بسبب نقص الخدمات وارتفاع أعداد شهدائه بسبب الحرب على التنظيم، أما الأكراد فلا همّ لديهم سوى مجيء الأول من كل شهر، لتسلّم الرواتب المتأخرة، وهم أيضاً غاضبون على حكومتهم في إقليم كردستان بعد الانتكاسات الاقتصادية.

أكرر، من هؤلاء الذين شاركوا في انتخابات 2018، وحققوا 19% من كل سكان البلاد، ومن يهتم لأمر بلاده غيرهم، ومن ينتظر خيراً من الحكومة التوافقية، وهي ليست توافقية بين أحزاب العراق، إنما بين الدول المسيطرة على القرار العراقي، وما أكثر هذه الدول، وما أقل من يهتم لأمر بلاده، فالذين يهتمون وانتخبوا أخيراً وينتظرون، هم جماهير الأحزاب من المستفيدين وحمالي معاطف قادتها.

والاعتراف المؤلم الذي لا بّد من قوله أن: الأحزاب العراقية لم تتمكن خلال 13 عاماً مضت من تقسيم العراقيين بحسب دياناتهم ومذاهبهم ومناطقهم فقط، إنما تمكنت من اجتزاء من يكونون جاهزين منهم لحمايتهم من السقوط وانتخابهم في كل انتخابات، وفي عسر الحال ويسره.