الأثنين 18 يناير 2021
تصويت
الأخبار الدولية
السبت 28 نوفمبر 2020 | 07:07 مساءً
| عدد القراءات : 922
فوز بايدن يضع رؤية ماكرون لأوروبا "المستقلة" على المحك!

رحبت العديد من العواصم الأوروبية بفوز جو بايدن بالانتخابات الأمريكية، حيث شعرت أوروبا بالارتياح لانتهاء 4 سنوات من المتاعب مع الرئيس دونالد ترامب، لكن إلى جانب الابتهاج بعودة أمريكا إلى التعددية، كشف فوز بايدن عن تشققات قديمة وجديدة في دور أوروبا على الساحة العالمية.

وجد المسؤولون الفرنسيون على وجه الخصوص أنفسهم يتساءلون إلى أي مدى ستعرقل رئاسة بايدن مسيرتهم الصعبة بالفعل نحو إنشاء اتحاد أوروبي أكثر استقلالاً من الناحية الجيوسياسية، وهو مشروع الرئيس إيمانويل ماكرون المفضل في السنوات الأخيرة، واستمد زخمه من نهج ترامب العدائي تجاه أوروبا.

وحسب مجلة ”فورين بوليسي“، تساءل ماكرون في مقابلة مطولة أجريت معه مؤخراً بقوله: ”هل سيشهد التغيير في الإدارة الأمريكية تراجع الأوروبيين عن الجهود الرامية إلى بناء حكم ذاتي استراتيجي أكبر“؟

واستعرض ماكرون رؤيته لأوروبا التي يمكنها لعب دورها المنفرد في عالم يهيمن عليه عمالقة مثل الولايات المتحدة والصين، وفي حين وصف ماكرون الولايات المتحدة بأنها ”حليفته التاريخية“، إلا أنه شدد أيضاً على الاختلافات الثقافية والجيوسياسية بين جانبي المحيط الأطلسي، وأوضح أنه ينبغي على أوروبا أن تسعى إلى تحقيق الأهمية الاستراتيجية ”لنفسها“، و“منع هيمنة الثنائي الصيني الأمريكي“.

وقال ماكرون: إن هذا يعني بذل المزيد من الجهود لتعزيز قوة الدفاع الأوروبي؛ لمعالجة الاعتماد التكنولوجي على القوتين العظميين عندما يتعلق الأمر بشبكات الجيل الخامس وتخزين البيانات السحابية، كما حث على اتخاذ إجراءات ضد النفوذ المالي لواشنطن، الذي أصبح واضحاً عندما هددت العقوبات المالية الأمريكية شركات الاتحاد الأوروبي التي تتعامل مع إيران بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني في عام 2018.

ولا يعتبر أي من هذه النداءات جديدة، فلطالما كان حلم تعزيز قوة فرنسا من خلال تعزيز قوة أوروبا شعار ماكرون، وجزءا من أهداف فرنسا بعيدة الأمد منذ عقود، فعلى سبيل المثال، كان موقف الإليزيه تجاه حلف شمال الأطلسي متناقضاً منذ أن سحب الرئيس شارل ديغول القوات الفرنسية في عام 1966 من قيادة الحلف، وهو قرار لم يتم التراجع عنه بالكامل إلا بعد 40 عاماً.

دور مستقل

وقال كريستيان ليسين أستاذ الجغرافيا السياسية والعلاقات الدولية في ”معهد الدراسات السياسية“ بباريس: إنه ”إذا نظرتم إلى موقف فرنسا في الغرب بدءاً من حقبة ديغول فصاعدا، يتضح أننا كنا حليفا يتشارك العديد من القيم مع الولايات المتحدة، ولكننا لسنا تابعين ويجب احترامنا“.

ويعتبر السؤال الرئيس لباريس هو ما إذا كان شركاؤها الأوروبيون، في غياب ترامب، سيظلون يتبنون نفس الموقف، ففي السنوات الأخيرة، وبفضل حروب ترامب التجارية، وانتقاد حلف شمال الأطلسي، والمعارك السياسية والاقتصادية حول كل شيء من إيران إلى تغير المناخ، بدت أوروبا مستعدة لنحت دور مستقل أكبر لنفسها.

وتحدث المسؤولون الفرنسيون والألمان، الذين أغضبهم الضغط الاقتصادي الأمريكي، بصراحة عن استعادة ”السيادة الاقتصادية“ في عام 2018، وألقى رئيس المفوضية الأوروبية آنذاك جان كلود يونكر عنوان خطابه عن حالة الاتحاد ”ساعة السيادة الأوروبية“. وفي الربيع الماضي، طالبت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بـ ”سيادة استراتيجية أكبر للاتحاد الأوروبي“.

إلا أن الكلام سهل والفعل أصعب، الأمر الذي كان واضحا بشكل خاص فيما يتعلق بالدفاع، وقد تم إنشاء صندوق دفاع أوروبي لتطوير التكنولوجيا العسكرية وتحسين التعاون، ولكن الموارد المخصصة من ميزانية الاتحاد الأوروبي للسنوات السبع الأخيرة أقل بنسبة 40 % من الرقم الذي اقترحته المفوضية في الأصل.

وتقول وكالة الدفاع الأوروبية إن الإنفاق الإجمالي في هذا المجال لم يعد إلى مستويات ما قبل الأزمة المالية سوى في العام الماضي، حيث لا تزال حصة البحوث والتكنولوجيا في ميزانيات الدفاع أقل بكثير مما كانت عليه في عام 2007، وعلى الرغم من اتفاقية التعاون العسكري الموقعة في عام 2018، لا يزال الجيش الأوروبي المتكامل مجرد خيال في هذه المرحلة.

وأصبحت هذه التصدعات واضحة أكثر في الأسابيع الأخيرة؛ بسبب الجدل العلني الاستثنائي بين ماكرون ووزيرة الدفاع الألمانية آنغريت كرامب كارينباور. وفي مقال رأي نشرته مجلة بوليتيكو، قالت آنغريت: إن أوهام الحكم الذاتي الاستراتيجي الأوروبي لا بد أن تنتهي، فالأوروبيون لن يتمكنوا من استبدال دور أمريكا الحاسم كمزود أمني“، وقال ماكرون في وقت لاحق إنه يختلف ”بشدة“ مع هذا الرأي.

الخلاف الفرنسي الألماني

ومن بعض النواحي، تبدو الانقسامات أعمق مما هي عليه في الواقع، ففي الأسبوع الماضي، كتب وزيرا الخارجية الفرنسي والألماني عموداً مشتركاً يعترفان بأن الشراكة عبر الأطلسية يجب أن تصبح ”أكثر توازناً“، وفي أعقاب قرار ترامب سحب آلاف الجنود الأمريكيين من ألمانيا، تدرك برلين أن أوروبا سوف تضطر إلى قبول المزيد من تقاسم الأعباء، مع تكريس الموارد الأمريكية بشكل متزايد للمواجهة مع الصين.

وتصر انغريت على أن أوروبا بحاجة إلى زيادة إنفاقها العسكري وتولي بعض المهام الأمنية للولايات المتحدة في جوارها، ولكن كوسيلة لدفع واشنطن على أخذها بجدية أكبر، وتعزز العلاقات بين حلف شمال الأطلسي والعلاقات عبر الأطلسي، وليس كبديل لها.

وتتمثل مشكلة ماكرون في أنه حتى لو قبل النهج الألماني، قد لا يتم تنفيذه في نهاية المطاف، وأشار هانز مول، من المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، إلى أن وجهة نظر أحد الوزراء ليست بالضرورة موقف الحكومة بأكملها، وخاصة الائتلاف المتوتر الذي يحكم ألمانيا، موضحا أن استمرارية النهج الألماني تزداد غموضاً مع رحيل ميركل المخطط له عن منصبها في العام المقبل.

لذلك، يمكن أن يكون الخلاف الفرنسي الألماني هذا الشهر محاولة من جانب ماكرون للحفاظ على استمرارية الضغط، كما أشار مول؛ نظراً لانعدام الثقة بشكل عام في برلين للوفاء بالتزاماتها بشأن الإنفاق الدفاعي، ففي حين ارتفعت ميزانية الدفاع الألمانية في السنوات الأخيرة، إلا أنها لا تزال أقل من الـ 2 % من الناتج المحلي الإجمالي التي يفترض أن تنفقها دول حلف شمال الأطلنطي على الدفاع، ويقدر الآن أن ألمانيا تنفق حوالي 1.6 % من إجمالي الناتج المحلي على الدفاع مقارنة بـ 2.1 % في فرنسا.

وفيما يتعلق بنفقات المعدات الرئيسة والبحوث والتطوير ذات الصلة، تعتبر ألمانيا من أقل الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي، ولطالما كان كبار ضباط القوات المسلحة الألمانية يدقون ناقوس الخطر بشأن الحالة السيئة للجيش الألماني، وهو الوضع الذي وصفه مول بأنه ”فوضى“.

هذا إضافة إلى فوز بايدن، يجعلان من المستبعد أن يشهد ماكرون أي انفراجة كبيرة في رؤيته لأوروبا أكثر قوة، وعلاوة على ذلك، فإن الدول الأخرى الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، مثل بولندا والمجر ودول البلطيق، أقل استعداداً من ألمانيا للسعي إلى الاستقلال الاستراتيجي عن الولايات المتحدة، وقال ليسين: إن ”الرئيس الفرنسي معزول تماما، والعديد من دول الاتحاد الأوروبي لا تزال متحمسة نسبيا لقبول الهيمنة الأمريكية، وهنا يعرقل مشروع ماكرون“.