الخميس 02 أبريل 2020
تصويت
مقالات
الجمعة 31 يناير 2020 | 01:47 مساءً
| عدد القراءات : 941
دور الشعر والشعراء في صناعة المستقبل / محمد أمين بني تميم

كان للشعر منذ القِدم مكانة فریدة بین العرب وكان الشعراء یعدون ألسنة قبائلهم وذوي الرأي فيهم، یندبونهم عند الملمات ویستعینون بهم وقت الشدائد ویلجأون إلیهم في الحروب وكانت العرب تنشد الشعر للغناء بمكارم أخلاقها وطیب أعراقها وذكر أیامها الصالحة وأوطانها النازحة وفرسانها الأمجاد وسماتها الأجواد، لتهزّ نفوسها إلى الكرم وتدل أبناءها على حُسن الشیّم، وبما أن الحیاة العربیة كانت قائمة على نظام القبیلة التي تمثل الوحدة السیاسیة والإجتماعیة والإقتصادیة، لذلك إقتضى هذا النظام إلى من ینطق باسمه ویحمیه، فكان الشاعر هو الذي یسجل مآثر قومه ویذیع مفاخرهم وینشر محامدهم ویخوّف أعداءهم ویخذل خصومهم. ومن هنا جاءت أهمیة الشاعر، الذي كان یعبر عن وجهات نظر قومه بأسلوب شعری تتناقله الرواة في الحیاة العربیة آنذاك، حیث كانت القبائل تحفظ أشعار شعرائها ویرویها أبناؤها ویدونونها لأجیالهم القادمة، فصارت القبائل تهنئ بعضها بعضا إذا نبغ بینهم شاعر، وكانوا لایهنئون إلا بثلاث: غلام یولد أو شاعر ینبغ أو فرس تنتج، كما من المعروف بأن هذه الثلاث كانت تعد مصادر القوة في الحیاة العربیة. كان الشعر ولازال دیوانا لفضائل العرب وسجلا لمفاخرهم ووسیلة لتخلید مآثرهم وكما یقول محمد بن سلام الجمحی:«كان الشعر في الجاهلیة عند العرب دیوان علمهم ومنتهى حكمهم، به یأخذون وإلیه یصیرون» وكان یعد من أشرف الكلام عندهم وأقدسه حیث قال بن خلدون:«اعلم أن فن الشعر بین الكلام كان شریفا عند العرب، ولذلك جعلوه دیوان علومهم وأخبارهم وشاهد ثوابهم وخطأهم وأصلا یرجعون إلیه في الكثیر من علومهم وحكمهم، وكان رؤساء العرب منافسین فيه وكانوا یقفون بسوق عكاظ لإنشاده وعرض كل واحد منهم دیباجته على فحول الشأن وأهل البصر لتمییز مقدرته حتى إنتهوا إلى المناغاة في تعلیق أشعارهم بأركان البیت الحرام وموضع حجهم»؛ كما كان للشعر تأثیر كبیر في نفوس الناس ومشاعرهم، لما یستعمله الشعراء من كلام مؤثر وساحر یترك أثرا بلیغا في نفس سامعه، ولهذا عدّوا «السحرة» في جملة أوئل من كان ینظم الشعر من القدماء، وكان الرجل لایسمّى الكامل إلا إذا كان یكتب ویُحسِن الرمي ویُحسِن العلوم ویقول الشعر. كانت العرب تسمّی الشاعر بالعالم والحكيم كما سُئل كعب الأحبار هل تجد للشعراء ذكراً في التوراة؟ فأجاب كعب:«أجد في التوراة قوما من ولد إسماعیل، أناجیلهم في صدورهم، ینطقون بالحكمة ویضربون الأمثال، وهكذا جعل كعب، الأشعار كالأناجیل لقدسیتها». فمن هذا المنطلق نلاحظ بأن الشعراء منذ القدم كانوا یحملون مسؤولیات قومهم بما لدیهم من موهبات، مما جعل منهم واقع الحیاة ومعاناة الأمة أن یصبحوا ضمیرها وطلیعتها النیّرة وأن یحملوا رسالة أنسانیة تقدمیة حضاریة مستقبلیة یخوضون من أجلها صراعا مستمرا على جبهات عدة، ویستنهضون من أجل الفوز في ذلك الصراع همماً وطاقات حیویة، وبهذا التفاعل الخلاق مع الواقع المریر والحلم، یسجّلون مواقف ویقدمون تصورات وبدائل في رؤیة أو كشف مؤثر وربما مثیر، مما یعطیهم أصالة في محلیتهم وإنبثاقا منها من جهة، وعمقا وشمولا إنسانیین من جهة أخرى، یجعلانهم حاضرین في وجدان شعوبهم وعصرهم وفي العصور والأجیال القادمة، وبهذه الفاعلیة یحملون طاقة على التأثیر والتنویر والتحریر والتحریض والتثویر والتغییر، مما یجعلهم دائما مشروع بناء وهاجس إستشراف الإنسانیة لآفاق المستقبل. لقد كافح شعراء العرب الإستعمار منذ إحتلاله البلاد العربیة، بكل أجناسه وأشكاله وممارساته الإرهابیة من خلال بصیرتهم النافذة في التاریخ وتحررهم من قیود الأنظمة السیاسیة وإنتمائهم الوحید لشعوبهم وقیمهم الوطنیة والإنسانیة والإسلامیة، لأن سلطة الخطاب الشعری متجذرة في تاریخنا القومی منذ إن كان الشاعر اللسان العابر والعین الباصرة لأمته، ولذلك طمح الشاعر أن یمثل الضمیر العربی بكل آلامه وتطلعاته كي یجمع في نبرة إنسانیة بین توقد الشعور التاريخي والرغبة العارمة في مواجهة الواقع المریر وتجاوزه. فمن هذا المنطلق نلاحظ بأن الوطن العربی المحتل منه وغیر المحتل، هو وجع الشاعر الممتد من مشرقه إلى مغربه، خاصة لما حلّ به من معاناة ونكبات في مختلف بقاعه التي لازالت بعضها تنزف وتعاني، وبما فيها فلسطین التي لم یحظ قطر عربي أخر بإهتمام الأدباء العرب مثلما حظیت فلسطین، لما حلّ بها من ویلات ومجازر وتصفيات جراء الإغتصاب والإحتلال الصهیوني لها، وبما أنها كانت ولازالت بضعة من جسد الأمة العربیة والإسلامیة إن لم نقل أهمها، أخذت تكبر قضیتها یوما تلو یوم، حیث أصبحت أهم القضایا الإسلامیة وأشرفها، خاصة مما أفرزته هذه المأساة من أخطار وتداعیات شكلت في حجمها تهدیدا مباشرا للأمن العربی والإسلامی ومشروعهما الحضاري. ومنذ «وعد بلفور» وماتلاه من وعود واختراقات صهیو- أمریكية دخل الشعر العربي في الصراع والمواجهة، مستشعرا بحجم المسؤولیة، حیال الواقع العربي المأزوم، ومن خلال معایشة الأدباء لما یجري من أحداث ووقائع على الساحة العربیة عموما والفلسطینیة خصوصا، إهتز وجدانهم وجعلهم یشعرون بمحنة الإنسان والوطن والأمة، مما دفعهم إلى إتخاذ مواقف عدیدة وتصورات مثیرة أحیانا، تبعا لمناخهم النفسي والثقافي ودرجة إنتمائهم القومي فضلا عن إیقاع العصر وتحولاته. ویمكننا القول بأن تصویر الواقع العربي ومرارة الحیاة العربیة في قصائد الشعراء العرب من المغرب العربی مرورا بفلسطین إلى مشرقه، یصدر عن إحساس الشعراء العمیق بالواقع المریر، لأن الشاعر یرى معاناة الحیاة العربیة بما فيها الإنحطاط الثقافي والإنحراف الفكري والتأخر الحضاري والزیف السیاسي والتشتت الإجتماعي، لیست إلا قضیة حیات أو موت للأمة! ولذلك لم یكتف الشاعر العربی في طریقه لإستكمال مشروعه المستقبلي بالتصورات وإتخاذ المواقف الكلامیة، بل یدخل صلب الصراع ویواجه ثقافة التضلیل والتشویه والتخدیر والتحمیق والتحمیر التي تقوم بترویجها مختلف الأنظمة السیاسیة من المتغطرسة الغربیة إلى المستبدة الشرقیة بشكل أو بآخر، لأنه یعي وعیا قومیا وحضاریا مما یجعله أن یطمح للكشف عن حقیقة معاناة الأمة العربیة أین ما یقطن أبنائها وفي أي ظرف یعیشون. إن الشاعر العربي بما أنه یشعر بحجم المسؤولیة تجاه أمته، ویرى الكوارث السیاسیة كيف تجتاح بلاده طولا وعرضا ویمینا وشمالا، فمن الطبیعي أن یقوم بمواجهة التحدیات خاصة لأنه یرى أن وجود الأنظمة السیاسیة المزیفة الشرقیة أو المنتمیة للغرب تشكل خطرا محدقا وجسیما على حضارته العربیة والإسلامیة مما یجعله أن یباشر محتجا بتوجیه الإنتقادات للزعماء والوجوه السیاسیة كاشفا عن وجوههم الأقنعة، متعریا سلوكهم المنحط الذي أصیبت الأمة العربیة والإسلامیة إثره بخیبات أمل لا تعد ولاتحصى. إن الشاعر عندما یشعر بضیاع الوطن وإستباحة المقدسات یسعى أن یكون أنفذ بصیرة وأكثر واقعیة وإلتصاقا بهمّ الأمة، إذ یستوعب معطیات الواقع ویتوغل في أغواره وخفایاه لیستخلص العبر والنتائج التي توحي بالكارثة، وهي نابعة من رؤیة الشاعر للماضي والحاضر وإستشرافه على المستقبل. وأخیرا ولیس آخرا یمكننا القول بأن الشاعر العربی یتعاطى مع حال الأمة بحساسیة مفرطة وشعور عمیق بانحطاط الواقع الذي بدأ یتغیر مؤخرا بفضل الثورات التي إجتاحت البلاد العربیة، لأنه لدیه هدف واحد وهو التنبیه لخطورة ما یجري في الشارع العربي من إختراقات وتدخلات وإلتفافات من جانب القوى الخارجیة، كما الحال بالنسبة لإنحرافات بعض القوى الوطنیة التي تعاني منها الأمة، مما یجعله أن یصرخ متكاتفا مع كل مواطن عربی في ساحات التحریر بأعلى صوته، ولكن بفنه وأسلوبه الخاص، فاضحا كل المؤامرات التي یتم تنسیقها خلف الكوالیس السیاسیة بما فيها الدینیة الدنیویة ویطالب بالحریة والكرامة الإنسانیة للشعوب وحقها في تقریر مصیرها، رافضا كل إتفاقیات بیع الوطن وإستعباد الشعوب وإستحمارها وإستثمارها من جدید تحت المسمّیات المزیّفة الشرقیة والغربیة.