السبت 26 سبتمبر 2020
تصويت
مقابلات وتقارير
الخميس 25 يوليو 2019 | 08:33 مساءً
| عدد القراءات : 2773
سانت ليغو فشل في الولايات المتحدة وطبق في العراق .. تحركات معارضة داخل البرلمان

لم يكن الخلاف السياسي في العراق وليدا لخلاف على الاسس والقوانين الانتخابية، بل هو سمة امست مصاحبة لكل مشهد سياسي داخلي، مهما علت او دنت تلك، لكن الخلاف السياسي الحالي على قانون الانتخابات الذي يجب ان يتبع في الديمقراطية العراقية المتشتتة بين فدرالية ومركزية متضاربة الصلاحيات في احسن الحالات، هو الاكبر حاليا، خصوصا مع اقتراب موعد الانتخابات العامة.

 

الخلاف الذي عصف سابقا ولا زال بالتيارات السياسية العراقية على مستوى خاص، والاوضاع العراقية بشكلها العام، يتبع اساسه الى الاصرار الكبير للكتل السياسية المتنفذة في البرلمان العراقي وسلطات البلاد المتعددة، على استخدام قانون الانتخابات المعروف باسم "سانت ليغو"، الممتلك لتاريخ حافل من التباينات، بعمومها السلبي، على الصعيد السياسي العالمي، ويكاد يكون غائبا عن الناجح منها. فيما اعلنت المرجعية الدينية في العراق فقد قال مكتب المرجع السيستاني في (أيار 2018) ان المسار الانتخابي لا يؤدي الى نتائج مرضية الا مع توفر عدة شروط، منها: أن يكون القانون الانتخابي عادلاً يرعى حرمة اصوات الناخبين ولا يسمح بالالتفاف عليها.

 

ما هو قانون سانت ليغو

 

هي ببساطة وسيلة رياضية لاقتسام الاصوات الناتجة عن الاقتراع في عموم الانتخابات لمنطقة معينة، اتى بها عالم الرياضيات الفرنسي "سانتي ليغوو"، خلال القرن الماضي، والمقاربة او مشتقة بحسب بعض المصادر من طريقة "ديهوندت" الاقدم، باختلاف وسائل القسمة، التي تخرج بنتائج متشابهة للقاسم الاكبر بمعظم الحالات، والتي تدفع برفع القاسم المطلوب كنسبة مئوية، للحصول على المقاعد عبر الاصوات المقتسمة، فترفع في النهاية الحد الادنى من الاصوات المطلوبة للحصول على مقعد برلماني.

 

وبمعنى ادق فهو ليس بقانون انما ميكانيكية لترجمة الاصوات الى ارقام يمكن احتسابها وتقسيمها بناء على قيمه التي تضعها الحكومة حسب دستورها، الامر الذي يخضع لمدى هائل من التعديل والتلاعب، بحسب ما تراه اطراف سلطة تلك الحكومات مناسبا.

 

تطبيقه في الولايات المتحدة

 

الطريقة قدمت للمرة الاولى عام 1832، وكانت اولى الدول التي اعتمدتها رسميا لانتخاباتها، الولايات المتحدة، في عام 1842، ثم الغيت بعدها لتستبدل بطريقة "هاميلتون" الانتخابية، وتعاد مرة اخرى بصيغة جديدة معدلة لتكون اكثر عدالة، سميت بطريقة "ويبستر" خلال عام 1911.

 

الطريقة اعتمدت على عدد الاصوات بدلا من احتساب عدد السكان لكل منطقة فيدرالية، الامر الذي خلق ازمة في حينها، ادت في النهاية الى تخلي الولايات المتحدة عن القانون، لصالح قانوني هاميلتون وماديسون، لكون الدستور الامريكي لم يتم تصميمه على اساس حزبي، انما على اسس افراد مختارين لتمثيل العامة في السلطة، خصوصا بعد ايجاد نظام الحزبين، الذي عتمد على تصويتات داخلية لاختيار مرشح واحد لكل حزب، لشغل منصب الرئيس، والذي يحدد عبره شكل قيادة البلاد، حيث تستخدم ذات الطريقة ايضا، لاختيار الممثلين عن كل ولاية وكل مكون او مجموعة في داخل الكونغرس الامريكي، وكذلك في باقي الولايات، التي تحدد قوانينها خاصة بالنسبة للاقتراع، ومن يحق له المشاركة، وفي حالات عدة، كانت لمرشحين اصوات حصلوا عليها رغم عدم ظهوره اسمائهم على كشوف المرشحين، على ندرة هكذا حالات، بحسب ما متاح من معلومات عبر برنامج السؤال والجواب الخاص بنظام التصويت الفدرالي الامريكي.

 

الدول المطبقة لقانون سانت ليغو واشكاله

 

للقانون المعتمد عدة صياغات واوجه متباينة، بسبب ترهل قاسمه الانتخابي الى حد كبير، بحسب كتاب "القوانين الانتخابية وتبعاتها السياسية" لاريند ليجبارت وبيرنارد غروفمان، والذي بين ان التعديل الذي يتم استخدامه في الانتخابات يضاعف من فرص فوز الاحزاب السياسية كبيرة التمثيل مسبقا على حساب فرص تلك الاصغر، وبشكل لا يقبل النقض.

 

بعض الدول تستخدم القانون في نوع من التكريس للدكتاتوريات التي تلتزمها الاحزاب كبيرة التمثيل وتستحوذ بها على مقاعد السلطة، بدون اعطاء فرصة لاحزاب سياسية صغيرة، بالظهور، فيما تستخدمها دول اخرى، للحفاظ على نوع السلطة في اقليم داخلي فدرالي، او منطقة ذات حكم شبه مستقل، للحفاظ على الاستقرار.

 

من مثال الدول ذات النوع الاول، هي البوسنة والهرسك، لاتيفيا، كوسوفو، وبالطبع العراق، اما المانيا، السويد، النرويج، فقد استخدمت صيغة معدلة من القانون، في اقاليمها على الصعيد الفدرالي، بغية الحفاظ على الاستقرار السياسي في تلك الاقاليم، ومنع ظهور اي حركات سياسية جديدة قد تتسبب بفوضى تشريعية في الاقليم او منطقة الحكم الذاتي التي يطبق فيها، كايرلندا في بريطانيا والتي طالبت عبر "الحزب الاخضر" بتطبيق القانون، بحسب ما نصت عليه وثيقة الاصلاح لمجلس اللوردات في بريطانيا.

 

قانون سانت ليغو في العراق

 

اما بالنسبة للديمقراطية العراقية، فان القانون كان مثار جدل منذ سنوات على الصعيد العالمي قبل المحلي، ففي الوقت الذي لم يكن للقانون اي اهتمام يذكر على الصعيد الاعلامي والسياسي المحلي خلال الاعوام بعد الانتخابات العراقية الاولى تحت السلطة والدستور الانتقاليين المؤقتين خلال الثلاثين من يناير عام 2005.

 

هذا الجدل تصاعد الان مع اقتراب الانتخابات العراقية الحالية، واستخدام القانون بشكله الفضفاض الى شكل مقلق، بالدفع نحو نسب اقتسام عالية جدا، تسمح للاحزاب الكبيرة بالهيمنة على الساحة السياسية، دون ترك اي فرصة لاحزاب صغيرة او افراد، للفوز عبر الاقتراع بالاصوات.

 

المونيتور وصفت القانون في عام 2013، بانه غير صالح للوضع العراقي المتباين والحساس، فالقانون الانتخابي له وقع شديد جدا على استقرار البلاد، وبحسب اختياره، الامر الذي اثبتت صحته بعد اعوام من اجراء الانتخابات على اساس ذلك القانون، بدون اي اعتبار لواقع البلاد، والذي اعدته المونيتور، قانونا خادما "لمصالح الاحزاب والقوى السياسية على حساب مصالح المجتمع"، ناصحة بان القانون العراقي الانتخابي يجب ان يكون قويا ودائما، ولا يخضع لنظام الفاي فيرسا او "العكس بالعكس"، مؤكدة بان الاحزاب والقوى السياسية يجب ان تبني سلطتها بناء "على ثقلها في الشارع، وليس على قانون انتخابي معين".

 

كما واكدت المونيتور، ان احد الاسباب التي تجعل من تطبيق هذا القانون للوضع العراقي صعبا جدا وذو نتائج ابعد ما تكون عن الدقيقة، هو غياب اي احصائية رسمية حقيقية لتعداد الشعب العراقي، والتي تستخدم كاساس لاحتساب القاسم.

 

في النهاية، فان السلطة العراقية بحسب المونيتور لم تقدم شيئا من الديمقراطية الحقيقية لشعبها حتى الان، فكل ما تمكنت من فعله هو تقسيم المناطق الانتخابية الى 18 منطقة بحسب المحافظات، تقسيم المقاعد بحسب النسب السكانية شبه المجهولة اساسا، والتحول الى القائمة شبه المفتوحة، والتي بدورها لم تقدم الكثير لخدمة الديمقراطية، بل عملت على تكريس السلطة بيد الاحزاب الكبيرة.

 

المونيتور اختتمت تقريرها بالتاكيد على ان الحكومة العراقية بامكانها اختيار قوانين او اليات اخرى لتقسيم الاصوات بتمثيل حقيقي، بدلا من اضاعة "مئات الالاف من الاصوات بلا فائدة، بسبب برامج واليات متهالكة القدم".

حراك برلماني معارض

فيما كشف القيادي في الحزب الشيوعي العراقي طلعت كريم ، الخميس 25 تموز 2019، عن حراك سياسي وبرلماني رافض لاعتماد نسبة 1.9 كقاسم انتخابي وفق نظام سانت ليغو بقانون انتخابات مجالس المحافظات.

وقال القيادي في الحزب طلعت كريمإن “اعتماد نسبة 1.9 سانت ليغو تشكل خطورة كبيرة على القوى والأحزاب السياسية الصغيرة والعملية الديمقراطية”، مبينا ان “ما حصل هو عملية انتاج للكتل الكبيرة للسيطرة والاستحواذ على الحكومات المحلية في المحافظات”.

وبين كريم انه “سيكون لنا موقفا قريباً بشأن اعتماد نسبة سانت ليغو 1.9، كما سيكون هناك حراك برلماني لجمع اكبر عدد من التواقيع، في سبيل تعديل قانون انتخابات مجالس المحافظات”.

وصوّت البرلمان في ساعة متأخرة من مساء ،الاثنين 22 تموز 2019، على تعديل قانون الانتخابات المحلية عبر اعتماد طريقة “سانت ليغو” في احتساب أصوات الناخبين على قاسم انتخابي هو 1.9، وهو ما كانت تعارضه التيارات المدنية والكتل الصغيرة والمستقلة، كونه يزيد من حظوظ الكيانات السياسية الكبيرة على حساب الصغيرة.

ويشمل التعديل أيضاً موعد إجراء الانتخابات، الذي سيكون في الأول من إبريل/ نيسان 2020. كما حسم الجدل بشأن كركوك، حيث ستُجرى الانتخابات في المحافظة بوقتها، شرط تدقيق سجل الناخبين، من خلال مطابقة الأسماء الواردة في البطاقة التموينية مع هويات الأحوال المدنية.

وبحسب مصادر في البرلمان العراقي، فإنّ تمرير القانون المختلف عليه منذ ما يزيد عن عامين، جاء بتوافق وتفاهم بين الكتل الكبيرة داخل البرلمان، لافتة إلى قيام السلطة التشريعية بحثّ مفوضية الانتخابات على إجراء العملية الانتخابية في وقتها المحدّد.

ويشجع التعديل الجديد الذي يعتمد آلية “سانت ليغو” 1.9، على نشوء التحالفات الكبيرة التي سيكون لها الحظ الأكبر في الانتخابات.

الى ذلك رفضت كتلة النهج الوطني عمار طعمة، الأربعاء، الكتل الكبيرة من المضي بأقرار نظام سانت ليغو المعدل (1,9) او حتى (1,7) وما ينتج عنه من جمود المشهد السياسي واغلاق فرص الاصلاح.

 

وقال في بيان، تلقته "عين العراق نيوز"، اننا" نحذر الكتل الكبيرة من المضي بأقرار نظام سانت ليغو المعدل (1,9) او حتى (1,7) وما سينتج عنه من جمود في المشهد السياسي واغلاق فرص التغيير والاصلاح السياسي ومضاعفة السخط والنقمة الشعبية وتزايد عزوف الناخبين عن المشاركة في الانتخابات وما يترتب على كل ذلك من اضعاف للنظام السياسي وتعرضه لهزات شديدة لا تحمد عقباها .

وأشار الى، ان" اولى الواجبات المفترضة للقوى السياسية النافذة والكبيرة العدد ان تؤسس لنظام انتخابي عادل ومنصف يتضمن فرص متكافئة للمتنافسين ويحفظ ارادة وصوت الناخب ولا يحول ارادة الناخب لمرشح لم تتجه ارادته للتصويت عليه .

وبين، ان" ما تسوقه تلك الكتل الكبيرة من مبررات تعطيل تشكيل الحكومات واعاقة قراراتها بواسطة الاعضاء المنفردين يخالف حقائق تاريخية نذكر اثنتين منها، أولها ان" انتخابات برلمان عام 2010 اذ ان اصغر الكتل الفائزة هي تحالف مكون من (60) مقعد على الاقل والقوائم الاخرى هي (70) مقعد واخرى (89) و اخرى (91) و لم تكن غيرها من القوائم قد حصلت على مقاعد اخرى ومع تلك الحجوم الكبيرة لهذ القوائم فأنها عطلت تشكيل الحكومة لاكثر من سبعة اشهر بل جعلت جلسة البرلمان مفتوحة لاشهر عديدة و لم ترفع تلك الجلسة الا بقرار من المحكمة الاتحادية و هو شاهد على تحكم منهج الاستئثار والاقصاء وكونه سبب التعطيل والاعاقة.

وأضاف، ان" الحقيقة الثانية، هي ان" انتخابات عام 2013 اذ ان القوائم الفائزة الكبيرة كانت تشكل بمجموعها في بعض المحافظات 2/3 مقاعد تلك المحافظة ومع ذلك لم تتفق على تشكيل الحكومة بسبب المنهج الاستئثاري والتهميش والاقصاء و لو انها اتفقت بينها لتشكيل الحكومات لما استطاع عضو منفرد او اثنين من التأثير او التعطيل.

اعتبر النائب  حسين العقابي ان العديد من القوى السياسية “تنصلت” عن وعودها للجماهير بأيجاد خيار اخر غير نظام سانت ليغو، مشيرا الى ان تصويت البرلمان على هذا النظام “انتكاسة خطيرة” لمجمل العملية السياسية.

وقال العقابي إن “تصويت البرلمان على خيار سانت ليغو المعدل 1,9 هو انتكاسة خطيرة في مجمل العملية السياسية والحالة الديمقراطية في البلد”، مبينا “كنا نسعى لايجاد تمثيل اكثر عدالة وشفافية على اعتبار ان سانت ليغو لا يمثل تمثيلا صحيحا او سليما للمواطن العراقي”.

واضاف العقابي، ان “هناك عددا كبيرا من القوى كانت تصرح بانها ستبحث عن خيار اخر غير سانت ليغو وكانت تدعم خيار المرشح الاعلى اصواتا وهي معادلة توجد تمثيل افضل للمواطن بعيدا عن سطوة الاحزاب والقوائم الانتخابية وبعيدا عن الفساد السياسي والانتخابي الذي يحشد باتجاه معين ويمرر مايشاء عبر اليات فيها مخالفات كثيرة للقانون”، لافتا الى انه “مع شديد الاسف فان الكثير من القوى تنصلت عن وعودها للجماهير بايجاد قانون انتخابي يمثلهم تمثيلا حقيقيا”.