الأربعاء 23 مايو 2018
تصويت
مقالات
الثلاثاء 8 مايو 2018 | 01:29 مساءً
| عدد القراءات : 1110
اشكاليات في الفقه التقليدي / اياد الجيزاني

حين سقطت الخلافة الاسلامية و اعتاد المسلمون على حكم الاجنبي تغير شيء مهم في الفكر الديني و هو تسيّد فقه العبادات الذي يخص الجانب الشخصي للانسان و تراجع فقه المعاملات الذي يخص ترتيب علاقة الانسان بالانسان و بالحياة و لذلك تجد ان المسلمين اليوم يطبقون الكثير من فقه العبادات و لا يجدون فيه غضاضة و لكنهم قد يرفضون فقه المعاملات بل و لا يسألون عنه.

و زاد من هذا الانفصال قلة تركيز علماء الفقه على هذا الجزء مع انه الجزء الاهم من الفقه باعتباره ينظم حياة المجتمع ولذلك ايضا تجد ان فقه المعاملات فقه متأخر لا يتعاطى مع الواقع و لا يتأثر به و لاجل ذلك لم يحصل تطور حقيقي في هذا الفقه و لم يستطع الفقهاء بلورة نظريات و رؤى اجتماعية تنبثق من الدين لانهم ركزوا على فقه العبادات و تركوا هذا المجال الرحب الواسع و اهملوه.

و لعلي استطيع القول ان هذا الاتجاه الفقهي المتمثل في التركيز على العبادات دون المعاملات ساهم في تقوية و ظهور الاتجاهات العلمانية في الامة الاسلامية لأن مقولة فصل الدين عن السياسة تعني فيما تعني ان على الانسان المتدين الاهتمام بعلاقته بربه و عدم الزج بالدين في النواحي الاخرى كالاجتماعية و السياسية و الاقتصادية و هو عين ما يمثله هذا الاتجاه الفقهي .

و بناءاً على ذلك ظلت الكثير من النصوص الدينية التي تهتم بالمجتمع و الاسرة و الاقتصاد و تنمية الانسان و التعامل مع الاخر المختلف و العلاقات الانسانية ..الخ غائبة و لا تُناقش في اروقة المؤسسات الدينية و لا تعطى حقها في البحث و لذا لا نجد بحوثا علمية حقيقية في هذه المجالات بل نجد نظريات متناثرة تقرأ النص الديني بمعزل عن بقية النصوص و تحاول استخلاص ما تستحسنه منها.

لقد ولّد التركيز على العبادات شعوراً لا واعياً و حفر عميقاً في نفس المسلم ان هذا الدين ليس سوى مجموعة من الوصايا الاخلاقية و الطقوس العبادية و هو بالنتيجة لا يمتلك رؤية في بقية قطاعات الحياة المهمة.

وامام وجود الدساتير والقوانين الوضعية التي تحكم بلدان المسلمين لم يجدوا بداً من الانصياع لها حتى و ان خالفت احكام الاسلام لان تلك القوانين هي (واقع) يثابون و يعاقبون عليه وضعياً فيما ان احكام الاسلام في جانب المعاملات وجدت سبباً جديدا لتعطيلها و بالتالي اضمحلال الدرس و البحث العلمي بشأنها.

ان مقولة الدين المعاملة تختزل كل ما قلته آنفاً في هذه الكلمتين اللتين تبينان اهمية المعاملة في مقابل العبادة.

ولعل من ابرز مؤشرات تأخُر البحث الفقهي في المعاملات هو عدم تطور اصطلاحات هذا الجزء من الفقه فبقيت اصطلاحات الحسبة و بيت المال و الحرابة و العشارون و غيرها مستخدمة حتى يومنا هذا مع ان الدهر عفى عليها و الحياة تطورت بشكل تجعل معه هذه الالفاظ في خانة الفلكلور و المتاحف الاثارية بل ان التطور و الحياة المدنية الحديثة و المعقدة عفت على بعض هذه الاستعمالات كمصطلح بيت المال فيمكن التساؤل هل هذا المصطلح يمكن ان يلبي الحاجة التي تكتنف المعاملات المالية الموجودة اليوم على تعقيدها واشتمالها مفاهيم اقتصادية و مالية لا سابق لها في ايام صدور النص الديني؟.

ان استخدام هذه الاصطلاحات المهترئة بفعل التاريخ يشعرك ان هؤلاء الفقهاء منفصلين عن واقعهم و انهم يكتبون فقهاً لأمة سالفة من الناس لذا يشعر المرء حين يقرأ الفقه وجدانياً بأن هذا الفقه لا يمكن ان يلبي حاجاته و لا يمكن ايضاً ان يصاغ قانونياً ليحل محل القوانين الوضعية التي تحكم حياة الناس اليوم لاختلاف الاصطلاحات و تطور المباني القانونية و الفلسفة التشريعية

من هنا نستطيع القول ان الدين بنسخته الاجتهادية الموجودة لا يمكن ان يلبي حاجة المجتمع بل هو بعيد عن حاجاته و متطلباته سادر في فقه النجاسات و المفطرات و الخ .