الأثنين 23 أبريل 2018
تصويت
مقالات
الأحد 25 فبراير 2018 | 11:15 مساءً
| عدد القراءات : 2129
مصر والغاز الاسرائيلي

بقلم وليد خدوري

اتفقت شركة "دولفينوس هولدينغ" المصرية الخاصة مع شركة "نوبل إنرجي" ومجموعة "ديليك" الشريكتين في عمليات الإنتاج في حقلي "تامار" و"لفيتان" الإسرائيليين، على أن تستورد 64 بليون متر مكعب من الغاز على مدى عشر سنوات، بقيمة 15 بليون دولار. وقادت "دولفينوس" التي تورّد الغاز الطبيعي إلى مستهلكين صناعيين وتجار كبار في مصر، المحادثات مع الشركات العاملة منذ عامين تقريباً. وكانت السلطات المصرية عدّلت القواعد التنظيمية الأسبوع الماضي، للسماح للقطاع الخاص باستيراد الغاز.

 

وينطوي الاتفاق على أهمية جيوستراتيجية واقتصادية في الوقت ذاته. فهو يزود الشركات العاملة في الحقول الإسرائيلية بالضمانات المالية اللازمة، من خلال عقود "البيع والشراء" التي تؤهلها لتطوير الحقول. وتشكل العقود الإقليمية هذه (أولاً مع شركة الكهرباء الأردنية والآن شركة دولفينوس المصرية)، ضرورة ملحة للشركات النفطية العاملة في إسرائيل للحصول على القروض من المصارف الدولية. إذ تبلغ كلفة التطوير في حقل "لفيتان" الضخم نحو 12 بليون دولار، وفي حقل "تامار" نحو 6 بلايين.

 

وتمثل عقود البيع والشراء أيضاً، الوسيلة الأساسية للحصول على الأموال اللازمة لتطوير الحقول في ظل عدم توافر أي عقود أخرى حتى الآن (باستثناء واحد مع شركة الكهرباء الإسرائيلية لتزويد السوق المحلية)، خصوصاً في الأسواق الأوروبية. فهذه العقود توفّر الضمانات المالية اللازمة للاستدانة.

 

وتتمثل الأهمية الجيوستراتيجية أيضاً، في الدعم الذي يؤمّنه تصدير الغاز الإسرائيلي لمعاهدات السلام مع الدول العربية المعنية، ويوثّق العلاقات في ما بينها، ويجعل الدولة المستورِدة معتمدة على استيراد سلعة استراتيجية من إسرائيل. وهذا ما سعت إلى تحقيقه بالضبط الديبلوماسية الأمريكية خلال السنوات الماضية، ببذل محاولات للتوصل إلى هذه الاتفاقات: توفير دعم مادي لمعاهدات السلام من خلال اتفاقات اقتصادية مهمة وبعيدة المدى.

 

وبموجب الصفقة، يُتوقع بدء التصدير من حقل "تامار" في النصف الثاني من عام 2020 ونهاية 2021. وكان بدأ الإنتاج من الحقل في نيسان (ابريل) 2013، وذلك لتزويد السوق الداخلية. فيما سيبدأ الإنتاج من حقل "لفيتان" نهاية عام 2019.

 

السؤال الذي يُطرح هنا، لماذا تُستورد هذه الإمدادات من الغاز من إسرائيل، في وقت بدأ الإنتاج من حقل "ظهر" العملاق في كانون الأول (ديسمبر) الماضي؟ من المعروف، أن "ظهر" البالغة احتياطاته نحو 30 تريليون قدم مكعبة تكفي لتأمين الطلب المصري الداخلي لعشر سنوات على الأقل (حتى عام 2027)، إذ يُرجح أن يصل معدل إنتاجه إلى نحو 2.9 بليون قدم مكعبة يومياً ولمدة 15 عاماً.

 

وتشكل مصر مع تركيا، أكبر سوقين لاستهلاك الغاز في شرق المتوسط، وتحتاج مصر وفي شكل ملح إلى تزويد سوقها المحلية المتنامية بإمدادات غاز جديدة سنوياً، كي تتناسب مع ارتفاع الاستهلاك بسبب الزيادة السريعة في عدد السكان، الذي وصل إلى حوالى 100 مليون نسمة. كما تحتاج مصر إلى الغاز الذي يغذي نحو 85 في المئة من محطات الكهرباء، إضافة إلى مصانع البتروكيماويات والحديد والصلب والإسمنت.

 

ويُستهلك أكثر من 70 في المئة من الغاز الطبيعي المصري في توليد الكهرباء، 20 في المئة في الصناعات الثقيلة والمتوسطة، والنسبة المتبقية في المنازل والمحال التجارية. ولا تشكل صادرات الغاز المسيل أو عبر الأنابيب سوى نسبة ضئيلة جداً من حجم الطلب على الغاز المصري الإجمالي، اذ تقدر بنحو 5 في المئة.

 

واللافت أن المركز الإقليمي للتحكيم التجاري الدولي ومقره القاهرة، كان قرر أخيراً أن تدفع مصر تعويضاً قيمته 1.033 بليون دولار، زائداً الفوائد لشركة "غاز شرق المتوسط" الإسرائيلية المنشأ، لعدم إيفائها بتعهداتها للشركة واتفاقها لتزويد إسرائيل بالغاز الطبيعي عبر الشركة، التي كانت تنقل الغاز المصري من العريش إلى عسقلان. وكان توقف الغاز عن العمل عام 2012، نتيجة التفجير المتكرر لمحطة الضخ التابعة للخط في العريش.

 

ويُذكر أن من بين الخيارات المتوافرة لنقل الغاز، استخدام خط الأنابيب هذا، لتصدير الغاز من خلاله بعدما كان يُستعمل سابقاً لتصدير الغاز المصري إلى إسرائيل.

 

ويشكل توقف صادرات الغاز المصرية عبئاً مالياً على الدولة، إذ على رغم الكميات الضئيلة لهذه الإمدادات، إلا أن التوقف عن تزويدها في شكل مفاجئ، يشكّل خرقاً للاتفاقات مع الشركات، ما ينتج منه غرامات مالية باهظة الثمن على مصر. لذا يمكن أن تستورد مصر الغاز من جهات أخرى غير إسرائيلية، كما حدث بالفعل في منتصف هذا العقد. لكن اتضح وجود ضغوط خارجية قوية وتحديداً أمريكية، وتم التصريح عنها علناً، تدفع لمصلحة الاستيراد من إسرائيل.

 

وأعلنت مصادر مصرية أن الغاز المستورد من إسرائيل سيخدم أحد مصانع تسييل الغاز، ويوجد مصنعان للتسييل على ساحل البحر الأبيض المتوسط وذلك في كل من ادكو ودمياط. ويُتوقع أن تزود هذه الإمدادات واحداً فقط من هذين المصنعين، ما يعني وجود إمكان- لاحقاً- لتزويد المصنع الثاني، إما من جانب إسرائيل أو مصدر آخر مثل قبرص.

 

وتجرى محادثات بين الشركات في إسرائيل لاستكمال صفقة طويلة الأجل، مع شركة "رويال داتش – شل" لاستيراد الغاز أيضاً. ويُذكر أن "شل" كانت اشترت أخيراً شركة "بريتش غاز" (بي جي)، التي تدير مصنعاً لتسييل الغاز في مصر.

 

وفي الوقت ذاته، لم تعلن الشركات الإسرائيلية أو المصرية عن سعر الغاز الذي تم شراؤه، باستثناء أن ثمن العقد الإجمالي هو 15 بليون دولار على مدى عشر سنوات. كما أن شركة الكهرباء الإسرائيلية تشتري الغاز من حقل "تامار" بقيمة 6 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، ولا يتوقع أن يُباع الغاز بأقل من هذا السعر لمصر. إذ يتوجب على الشركات التي تملك مصانع تسييل الغاز المصرية، أن تأخذ في الاعتبار أسعار الغاز في الأسواق الأوروبية، إذ تُعتبر الـ6 دولارات سقفها في أوروبا حالياً، بعد تدهور أسعار النفط بين عامي 2014 - 2016.