الأثنين 10 ديسمبر 2018
تصويت
مقالات
السبت 9 ديسمبر 2017 | 12:40 مساءً
| عدد القراءات : 2116
جدلية الاعتقاد الحق و حق الاعتقاد / اياد الجيزاني

التعدد متلازمة انسانية نعيشها على الدوام و لا مناص من التعدد في فهم الواقع و ادراكه فتعدد الزوايا التي نرى منها يجعل الفهم متعددا فليست المشكلة في الواقع و لكنها في زاوية النظر و اتجاه الرؤية بل ان بعض المفكرين يذهب الى ابعد من ذلك فهو يقول بتعدد وجوه الحق وكل يرى وجهاً من هذا التعدد فيتبعه و بذا يكون متبعا للحق ومؤمنا .

ومع كل ما تقدم فأني اؤمن انه كلما تسامت الرؤية كلما اتضح الواقع اكثر فمن صعد تلا ليرى منظر السوق ليس كمن هو داخل و ضائع ضمن حشد المتسوقين وبالرغم من ذلك فأن التفاصيل تبدأ بالتلاشي عندما تتسامى الرؤية وترتفع لأن النظر حينئذ يتوجه الى الكليات و ليس الى التفاصيل والجزئيات.

حين تقرأ الكتب المقدسة و المعتقدات لليهود والمسيحيين والصابئة و المسلمين تشعر انها جميعا تنبع من معين واحد و ان كل التفاصيل هي غطاء رقيق من الغبار لو أزلته لرأيت الحقيقة الناصعة المنزوية في غياهب تلك التفاصيل انها الايمان بالله و الحث على عمل الخير لبني الانسان.

لفت نظري موضوع قرأته قبل ايام عن عالم دين ألف كتاباً في قضية الامام الحسين خالف فيه الفهم للاحاديث التي يجترها الخطباء الحسينيون و كان أن انتفض بعض علماء الدين و الفوا كتبا في الرد عليه ما أثارني و بالرغم من وجود عشرات الحالات المشابهة لتلك الحالة الا انها اثارتني على كل حال كحال تفاحة نيوتن الذي لم تثره عشرات الحالات المشابهة التي وقعت امامه واثارته تلك التفاحة فبحث في اسبابها و اهتدى الى الجاذبية وقوانينها.

لقد اثارت فيّ تلك الحادثة موضوعة التعدد في الفهم و الرؤية فبالرغم من ان عالم الدين ذاك درس مع هؤلاء العلماء في نفس المدارس ونفس الاساتذة ونفس الكتب الا انه اختلف عنهم في فهمه و رؤيته ، ربما يشير القرآن الى هذا المعنى في قوله في سورة الرعد (و في الارض قطع متجاورات وجنات من اعناب و زرع و نخل صنوان و غير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الاكل ان في ذلك لايات لقوم يعقلون) فهذه الفاكهة تزرع في ذات البستان و تسقى بنفس الماء ولكنها تؤتي ثمارا تختلف في الطعم فتارة شديد الحموضة و اخرى شديد الحلاوة ، كذلك الانسان يتلقى معارفه وعلومه الدينية من ذات الكتب و التعاليم الشفوية و غيرها و لكنه قد يظهر اختلافا في الفهم و الرؤية .

و كما يستمتع الانسان بالاكل من مختلف تلك الثمار و الفواكه و يحاول ان ينوع منها لكي يشعر بطعم كل منها المختلف و فوائدها المختلفة علينا ان نستطعم تلك الافكار المختلفة و نأخذ منها جواهرها .

فالانسان على اختلاف فهمه و وعيه يمكن ان يقدم الماعات لطيفة لم يلتفت لها اذكى الفلاسفة و العلماء لذلك و بالرغم مما تثيره منصات التواصل الاجتماعي من مشاكل ولغط الا انها تلعب دورا انسانيا في ايجاد تلاقح فكري و صراع ثقافي و توفر منصة لجميع الافراد للتعبير عن افكارهم و هي بذلك تتيح لنا ان نستفاد من ألماعات و افكار البعض.

يعتقد المسلمون كما غيرهم من الاديان ان الدين عند الله الاسلام و لا يمكن قبول الاديان الاخرى بعد نزول الاسلام نعم ذلك صحيح و لكن تأكد ان العقيدة لا يمكن ان تكون بالفرض بالقوة بل انها انعقاد في النفس يأتي نتيجة الاقتناع بالفكرة لذلك فباعتقادي ان للاسلام معنيين الاول عام و هو ما اشارت اليه الاية (ان الدين عند الله الاسلام) و الثاني خاص يختص به المسلمون ويعتقدون به و بمجمل الافكار التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه واله

اما الاول فهو يستوعب جميع الاديان التوحيدية ما دامت تدعو الى وحدانية الله و عمل الخير الا ترى ان الله يعبر عن اكثر الانبياء بأنهم مسلمون فالنبي ابراهيم كان (حنيفا مسلما) الاية ٦٧ ال عمران و النبي يوسف يقول (توفني مسلما والحقني بالصالحين) الاية ١٠١ يوسف وكذا وصية النبي ابراهيم لبنيه و وصية النبي يعقوب لبنيه من بعده لاحظ الاية (ام كنتم شهداء اذ حضر يعقوب الموت اذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبدك الهك و اله ابائك ابراهيم واسماعيل واسحق الها واحدا و نحن له مسلمون)١٣٣ البقرة

اعتقد ان هذه الديانات التوحيدية كانت تريد تثبيت أمرين مهمين اولهما التوحيد الخالص لله عز وجل وهو ما يمكن ان نعبر عنه بعلاقة الانسان بربه و الثاني هو توظيب علاقة الانسان بأخيه الانسان و هذا هو الاسلام بعينه لاحظ الاية (ومن احسن قولا ممن دعا الى الله و عمل صالحا و قال انني من المسلمين) فالاية تفصل احسن القول بأنه دعوة الى التوحيد و عمل صالح و يمزج كلا الامرين في اسباغ صفة الاسلام على ذلك وكما تشير الاية الاخرى و تعطي ذات الدلالة من سورة فصلت (ان الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) فلاحظ الانطباق فيما بين معنى الايتين .

اذن فالاسلام هنا فكرة مزدوجة فكرة الاسلام لله و التسليم له و فكرة العمل البناء الصالح الذي ينطلق من حب الانسان و الشعور بالرحمة والعطف عليه و أشاعته فيما بين بني الانسان و لذا كان خلاصة و خاتمة للاديان بهذين المعنيين و لذا كان الدين عند الله هو الاسلام بهذين المعنيين الذين يمكنهما استيعاب جميع الديانات و المذاهب التوحيدية بغض النظر عن تفاصيلها .

و قد يبدو ان اشاعة الاسلام و التسليم لله متيسرة و أن أشاعة الخير و العمل الصالح البناء بين بني الانسان صعباً اذ نرى التزاحم و التضاد في المصالح و الانانية و حب الاستحواذ و غيرها ظاهرة و سببت الكثير من الحروب و التوترات و الفساد و لكن من يرهف السمع يمكنه ان يفهم ان التوحيد و التسليم لله يربط معه أشاعة السلام و الوئام و ما اصطلح عليه العمل الصالح قرآنيا و هو عموم ما ينفع بني الانسان من اكتشافات واختراعات و بحوث و تجارب و ان اي خلل في احدهما ينعكس على الاخر فلو قال احدهم انه مؤمن بالله و لكنه لم يقم بعمل الخير بل كل اعماله سوءات و شر فتأكد ان في ايمانه المزعوم خللا و كذا من عمل صالحاً و خيراً و لم يكن مؤمناً بالله فتأكد ان منظومته الفكرية تعاني خللاً.

قرأت كتاب (التصميم العظيم) لعالم الفيزياء الشهير ستيفن هوكينج كنت اعلم انه ملحد و لكن عنوان الكتاب شدّني اليه و ظننت ان مقولة ان هوكينج ملحد مجرد كذبة .

حين تقرأ الكتاب تجده كتابا علمياً يتحدث في الفيزياء في محاولة لوصف الكون مع استعراض لتطور الفيزياء وتأثيرها في الوعي الفلسفي للكون و في فصل المعجزة الظاهرة في الكتاب ترددت كلمة (الحظ) ثلاث مرات ما يجعلك تعتقد ان هناك قانوناً فيزيائياً اسمه (الحظ) وفي ذات الفصل أشار ايضا الى ان تغييراً طفيفاً في انظمة الكون يجعله غير قابل للحياة.

فرغم خدمات هوكينج العلمية التي قدمها للبشرية يبدو انه كذب على نفسه في مسألة الاعتقاد و ذهب بعيداً في تيهانه الفكري حتى خالف أشد متبنياته العلمية وضوحاً (لا وجود للحظ و الصدفة في العلم).

و للكلام تتمة لا غنى عنها ربما تسعفني قادم الايام في اتمام الحديث فيها.