السبت 16 ديسمبر 2017
تصويت
مقالات
الخميس 30 نوفمبر 2017 | 03:55 مساءً
| عدد القراءات : 1637
ما وراء الوطن/ عمر الحياني

الطفل بائع العلكة متوسلا بي: اشتري علكا. أجيبه: لا أريد. يكرر إلحاحه عليَّ كي أشتريَ منه. أكرر الإجابة نفسها مضيفا عليها: "أنا حتى لا أرغب بالعلكة". يذهب عني بعيدا. وفي هُنَيَّة غير يسيرة على قلبي فكرت فيه وعلى عجالة ندمت كثيرا، مسرعا فتشت عنه. يمينا شمالا. لم أجده. زاد بؤسي حزنت كثيرا. أخيرا ظهر لي. ناديته تعال حتى أشتريَ منك. اشتريت منه ناصحا إياه بالعودة إلى المدرسة. لكنه أخبرني أن المدرسة لا تعلمه كل شيء. أتراها سوف تعلمني كيف أحمل بندقية لأخذ بثأر أبي! مساكين يا أطفالنا. الإنسان أقبح كائن حي على الأرض. ربما هو الحقد والأنانية غير المحمودة لجعلكم قباحَ القلب مثلنا تمامًا ويمضي نهاري وتغرب شمس ذلك اليوم ككل الأيام مثل مللٍ "يشبه علكة بغي لصقته الأيام بقلبي" فأقبل الليل مسرعًا "وناداني حنيني يا حبيبي.. وسرتْ ذكراك طيفًا هام في بحرِ ظنوني.. ينشرُ الماضي ظلالًا.. كنا انسًا وجمالًا" في أروع ما كتب أحمد رامي وأعظم مقدمة (موسيقية) ألفها السنباطي في جميع أغاني السيدة أم كلثوم. تارة أخرى استمع للسيدة فيروز "سَكَنَ الليلْ وفي ثوب السكونْ .. تَخْتَبِي الأحلامْ" لكن أحلامنا أجهضت قبل أن نعلم أننا أحرار!

في غرفتي العتيقة وحيدًا أقلبُ صوري القديمة ، كلّ من معي في الصور قد ماتوا سوى واحد منهم قد هاجر إلى امريكا، لكنهم أقرب إليَّ منه فكلنا ما زلنا على نفس أرض الوطن غير أنهم تحتها! لقد رحلوا؛ لكني أرفض تصديق هذا لأنني أنتقي الأشياء التي لا ترحل. هي دوامة من الحماقة والخداع اسمها وطن، وطن؛ أتمزق شوقا إلى فراقه وأتمزق خوفا من فراقه. قرأتُ في الكتبِ أن غيثك منعش لكني لم أرتوي منك أي شربة وما زلتَ أنتَ ترتوي من دمائنا بحقد عجيب. أقولها في وجهك صراحة أني قد كرهتكَ! أعلمُ جيدًا أنكَ لا تعرفني فـ "أُلو الفَضلِ في أَوطانهم غرباءُ". يا وطن الكلام بسببك قررتُ أن لا اختار اصدقاء بعد اليوم، لا أريدُ التعرفَ على أحدٍ لا أريدُ التولعَ بأحدٍ. لكنه رفيقٌ جديدٌ رأيته قبل أيامٍ منهكًا سقيمًا شاحبَ العينين والصفرة تعلو وجنتيه التي لم تكن كذلك قبل يومه هذا، يرومُ الانتحارَ من غير محبةٍ، هو اليأسُ وخيبةُ الأملِ، لم يمضِ وقتًا طويلًا على تعرفه بي؛ لكنه شعرَ معي بالراحةِ الواسعةِ والحبِّ والانشراح؛ ففتحَ لي كل دواخله وأضحى يشكو لي حاله وحال حبه وتعلقه بتلك الفتاة التي أحبها فأحبته لكنها باتت في أحضانِ رجلٍ آخر مغتصبةً على العُرف الاجتماعي البدوي القبلي الذي يسود مدينته فكلنا يا صديقي بدويون وإن سكنا القرى والمدن والأمصار. ظنّ بي هَنة من الزمن أني لا أبالي مطلقًا من غيرِ خاصةٍ أو أني غير مكترثٍ لحاله، لهمه لشكواه لنحيبه لنجواه لوجده لعشقه لهيامه الكبير.. ولم يكن يدرك جيدًا أن مثلي "تكسرتِ النصالُ على النصالِ" فصرتُ غير مبال بالرزايا. دللته على طريقةِ انتحارٍ نافعةٍ وباسلةٍ: امسكْ القلمَ واكتبْ حقيقةَ كلِّ شيءٍ وهي عاريةٌ تمامًا دون تشبيهٍ أو استعارة أو كناية دون جناس أو مجاز. هذا هو الانتحارُ الذي لا يقدمُ عليه سوى الشجعان.

ذلك الجندي الذي قد استدان ما يمّكنه من الوصولِ إلى المعسكرِ حاملًا بندقية وقرطاسًا وقلمًا لتدوين الذكريات، نفسه كنتُ قد رأيته قبل عامين في إحدى حدائقِ الكلياتِ يحملُ وردةً لحبيبته. نفسه ما زالتْ أمه منذ أحد عشر شهرًا تنتظرُ دخوله عليها لكنه لم يرجعْ. وذلك هو الوطن.