الأثنين 18 ديسمبر 2017
تصويت
مقالات
الجمعة 29 سبتمبر 2017 | 07:59 مساءً
| عدد القراءات : 1682
كوابيس من العراق / عمر تحسين الحياني

حكى لي صديقي الحلاوي قائلًا: في طريقِ عودتي من بابلَ إلى بغداد، كانتْ تجلسُ جنبي امرأةٌ مسنةٌ يظهرُ على وجهها تجاعيدُ البؤسِ والجوع والحرمان وكان معلقًا على إحدى جدرانِ الطريقِ صور شهداء كثر فألتفتْ تلك الأم العجوز إلى إحدى الصورِ مخاطبةً إياها:

"مسيت العافية عليك يمه" لقد كان الذي في الصورة هو ابنها. ابنها الذي حملته ووضعته وربته ليموت من أجل خدعة الوطن الكبرى. أما تلك الطفلة زهراء من مدينة الصدر ذات الثلاثة عشر عامًا فهي لم تكن تعرف أيَّ شيءٍ عن الوطن، كانت تبحثُ عن لقيماتِ عيشٍ لها ولإخوتها اليتامى الذين كانتْ تعيلهم، كانتْ تبيعُ عيدانَ البخور؛ البخور وليس سوى البخور فقتلوا رائحةَ البخورِ لأننا نحبُّ البخور! الطفلُ بائعُ الخضرةِ في الرمادي لم يكن يعرفُ شيئًا هو الآخر عن الوطن، كان يبيعُ الخضرةَ فقط "الكرفس والريحان والكراث" وليس غير ذلك سوى بضعة باقات سلق لعمل "الدولمة" أيام الجُمع فقتلوه مثلما قتلوا بائعة البخور لأننا نحب رائحة الريحان الزاكي لا طعمه المرّ المذاق! وقبل بضعةِ أيامٍ قُتِل صديقُ ابن خالتي في عملياتِ تحريرِ مدينةِ عانة، لم أكن أتابعُ الأخبار، لا التحرير ولا السقوط ولا تقسيم العراق ولا وحدته، فلم أعدّ أتابعُ شيئًا فالأمر لا يعنيني، لكن دموع ابن خالتي على جاره وصديق طفولته أثرتْ بي كثيرًا فعادتْ بي ذاكرةُ الألم إلى مقتل صديقي "عبد الرحمن" لأسباب لم يكن يعرفها هو، أيام الحرب الأهلية السنية – الشيعية في بغداد، فقُتِل وهو لا يعرف السبب الذي كنتُ أعلمه وهو دينانِ غبيانِ يتصارعانِ على السلطة بهمجية البداوة ليس إلا. حدثتُ نفسي وأنا استمعُ لدموع ابن خالتي وكأنها قيثارة وجع وأشمها مثلما يشمُّ الكفيفُ رائحةَ الفجر، ومثلما يتذوقُ الجائعُ كسرةَ خبزٍ أو بقايا طعامِ ولائمكَ الشريرة حدثت نفسي "ماذا لو فقدتُ أحدَ أصدقائي مرةً أخرى" لم استطعْ تخيل الأمرِ طويلًا فشربتُ عشبة الزيزفون مع اليانسون والخزامى وسرعان ما ذهبتُ في نومٍ عميقٍ وهادئ لكنه لم يستمرْ طويلًا هو الآخر لأستيقظ على قصةِ تلك الأم وهي تحكي لي كيف كان هجوم المجرمينَ على دارها الذي تعبتْ سنينًا في بنائه وتأثيثه فأحرقوه لها مثلما أحرقوا فيها ذلك الأمل المصلوب. الأمل الذي كانت تراه بصيص نور لا مصلوبا كما كنتُ أراه أنا. لكن حرق دارٍ لم يكن يعني لي شيئًا فلقد رأيتُ أمامَ عيني حرقَ مدنٍ بكاملها. أردتُ الرجوعَ لإكمال نومتي الجميلة لكنها استمرتْ في سردِ قصتها بصوتِها الشجي الباكي فنقلتْ لي كلامَ ابنتها الضريرة التي كانتْ تستغيثُ بأمها في ذلك الهجوم قائلةً لها بتوسلٍ لاهثٍ: إياك الخروج يا أمي فتموتي وتتركيني وحيدة عمياء لا أبصرُ شيئا سوى هذا الخوف الذي أبصره يقينًا أكثر مما تبصر عيونكم الشمس والألوان. تلك الأم ذاتها كانت تسقي ابنها الصبي جرعات ماء مفلتر من بقايا قنينة ماء ذلك الجندي الذي أعدمه المجرمونَ قبلَ قليلٍ وهو يحمل بقايا راتبه وصورة أمه ومقطع فيديو أرسلته إليه زوجته عبر "الواتساب" كان الفيديو يحوي ضحكات طفله حديث الولادة. وبنبرة يأس عاجزة كانت الأم تقول لصبيها اشربْ اشربْ حتى لا يقتلوكَ وأنتَ عطشان؛ محتضنةً إياهُ ومهيأةً نفسها للموتِ فوقه مع أخيه الذي تحمله في بطنها. فما كان مني إلا أن بصقتُ على الوطنِ ثلاث مرات لا واحدة وذهبتُ لإكمالِ نومتي.