الأربعاء 24 مايو 2017
تصويت
ثقافة وفنون
الأثنين 10 أبريل 2017 | 03:53 مساءً
| عدد القراءات : 452
للموصل.. رثاء بلا عزاء!

محمد تحسين الحياني

 

قد سمعنا عن قصص المجرمين وما فعلوه عبر التاريخ من وحشية دوّتْ على مسامعِ البشرِ عنْ هولاكو وكيف أحرقَ بغداد على ساكنيها وعن أدولف هتلر ومحرقتهِ الشهيرةِ وعن كارل دينكي الذي كان صاحبَ فندقٍ يقتلُ نزلاءه ويأكلهم وعن مصاصِ الدماءِ بيتر كيرتن الذي كان يغتصبُ النساءَ ثمَّ يقتلُهنَّ ويشربُ دماءهن وعنْ سفاح أمريكا جربي هيدنك الذي كان يجلبُ البغايا وبعد أنْ يمارسَ الفُحشَ معهن يصعقهن بالكهرباء يُقطعُهنَّ قطعًا صغيرًة ثمَّ يأكلهن لكن وحشية الموصل التي رأيناها بأمَّ أعيننا وحشيةٌ ما بعدها وحشية  جثثٌ لأطفالٍ بعمرِ الزُهورِ منها الملقاة في الشوارع ومنها المدفون تحتَ أنقاضِ البيوت' عجوزٌ تركضُ هاربًة خوفًا من الموت فتصطادها رصاصةُ قناصٍ راميها لا يعرفُ من الحياة سوى السفالةِ والدناءةِ فتقعُ المسكينةُ طريحةً على الأرض كالذبيحةِ' عائلاتٌ تبادُ بأكملها على يدِ قصفِ طيارٍ هوايتُه التلذذ بقتلِ البشر وإنْ سُألَ عن السبب علّلَ قائلًا لقدْ أخطأنا الهدفَ نحنُ نعتذرُ وكأنّهُ كان يرومُ ذبحَ خروفٍ أبيضٍ فذبحَ خروفًا أسوًد.

يا ويلنا يا ويلنا يا لتفاهتنا يا للعار الذي لحق بنا لم يحركنا نَوحُ الحمام الذي أبكته نينوى الجريحة ولم نغار من الزروع التي جفت ينابيعها حزنًا وألمًا 'مأساةٌ ما بعدها مأساة تطوفُ في أرض الموصل الأبيّة' سوادُ الدخان يقرعُ سماءها وصوتُ الصواريخ تدُكُ أرضها العذراء والنتيجة قتلُ الأطفال والعجائز والشيوخ الذين لا جريرةَ عليهم سوى الفقر الذي أجبرهم على القعودِ مع شلةِ الإجرام والسفاحين والقتلة وللعارِ أقولها كل ما يحدث من وحشية تعجز العقول أن تصفها يُقابلُه صمتٌ سياسيٌ مكلل بالخزي يسودهما جبنٌ خوفًا على الكرسي والدولار والدينار والسيارات والمناصب والحمايات' ونذالةٌ ما بعدها نذالة تشعشع في قلوبهم الخسيسة وضمائرهم المتعفنة بالعمالة والوضاعة.

 ضمائرهم التي لم تحركهم على مجازر الأطفال (الحلوين) والعجائز الأحرار والشيوخ الكبار وهدم المنازل والمساجد والكنائس وحرق المكاتب وتحطيم الآثار لم يفعلوا شيئا لأنهم جبناء ولم يقولوا شيئا لأن الخيانة والعمالة أخرستهم سوى أنهم اكتفوا بإعلان الموصلِ مدينة منكوبة ومتضررة فيا لعهركم! أما خطباءُ المنابرِ الجلاوزة المتملقين فقد اكتفوا بالدعاء الفارغ والعويل المصطنع والصراخ الكاذب فتبًا للُحاكُم التي يختبئ في داخلها ألفُ شيطان وشيطان.

 وأما عن الكتّاب والصحفيين والأدباء فمنهم من قابع في منفعته الشخصية متلذذًا باللهوِ والطربِ وأشهى الأكل ولا يهمه من مات ومن عاش ومنهم من حرّكَ قلمه متهمًا ذلك الطفل الذي ظلت جثته تحت أكوام الحجر وصعدتْ روحُه إلى السماء حالمةً بقطعة حلوى بأنه إرهابي فالخزيُ والعارُ يلحقكما إلى يوم يبعثون يا موصل القرون والعصور ويا أحلى بساتين الزهور وأطيب رائحة العطور أيتها الوضاءةُ والحضارةُ والمنارةُ أيتها العفافُ والجمالُ وأسمى رُتبِ الطهارة

 أيتها الحدباء والضياء وأرض الأنبياء والأولياء وموطن العلماء والأدباء والشعراء يا قاموس حب ما فهموه ويا ديوان شعر ما فقهوه أيتها النقية كحبات المطر والطيبة كطعم العنبر أيتها المؤنسةُ والأنيسةُ أيتها الأصليةُ كالزعتر ما أجمل أيامك التي كانت شوارعك التي تسودها رائحة النبوة أسواقكِ المكتظة بالجزرات والكبة والمكدوس مكتباتك المزدحمة بكُتبِ الحماسة والفخر أيتها الشهيدة والحبيبة لم يكن هناك فرسان في العراق حتى يعدو الذخيرة لنجدتك ولم تكن لدينا ذرة غيرة حتى نستصرخكِ ولا ذرةَ خجلٍ حتى نعتذرَ إليكِ فالسيوفُ مغمدة والجعب فارغة ولا معتصم ولا مختار'

 هنا في بلدي لا يوجد سوى القُبح والجُبن والعهر وممارسة الدعارة واللواطة وأنت الشريفة العفيفة' في بلدي لا يوجد كبيرٌ وأنتِ الكبيرةُ الكل تخلى عنكِ لأنهم جرابيعٌ منحطون الكل مكترث بليلى وليلى مومس أما أنا فأعرف لو اعتذرت إليكِ ألفَ اعتذارٍ واعتذار فهذا غير مبرر لجبني ولقبحي فأنا ابن بلد علمني منذ الطفولة أن القلم مثل الرصاصة فعندما كبرت أدركت أنهم مارسوا معي الخداع والكذب حتى يغتصبوا عذريتك' سامحيني يا أم الربيعين فأنت العظيمة سلامًا إلى براءة الاطفال التي امتزجتْ بأكوام الحجر سلامًا إلى جراغد النساء التي مزقتها الكلاب السائبة سلامٌ كله خجل سلام كله خجل.