السبت 25 فبراير 2017
تصويت
مقالات
الخميس 16 فبراير 2017 | 04:03 مساءً
| عدد القراءات : 159
الولايات المتّحدة وروسيا: "توازن القوّة" أم "توازن الرعب"؟

جمال دملج

بينما يستمرّ التباين في الآراء والتقديرات حول المنحى النهائيّ الذي سيحدِّدُ مسارَ إبرة بوصلة العلاقات الأميركيّة ـ الروسيّة في المستقبل القريب، وما إذا كان الرئيس دونالد ترامب سيمضي قدمًا في إرسال إشاراته الإيجابيّة للرئيس فلاديمير بوتين أم إنّه سيضطرّ للقيام بـ "دعسةٍ ناقصةٍ" في هذا المجال، جاءت الأنباء التي تحدّثت نهار الاثنين الماضي عن تحليق طائراتِ استطلاعٍ أميركيّةٍ على مقربةٍ من الحدود الروسيّة عند كلٍّ من شبه جزيرة القرم وجيب كالينينغراد لتزيد من ضبابيّة الموقف، ولا سيّما أنّ مثل هذا النوع من الحوادث الخطيرة، وإنْ كان قد سبق وأن تكرّر مرارًا، وبشكلٍ مكثّفٍ، على خلفيّة وصول حدّة التوتّر بين واشنطن وموسكو إلى ذروتها خلال الأشهر الأخيرة من عهد الرئيس الأميركيّ السابق باراك أوباما، إلّا أنّ إمكانيّة التوصّل إلى تحديد سقف خطورته في الوقت الحاليّ، لا بدّ من أن ترتكز على ضرورة التأكِّد أوّلًا ممّا إذا كان الرئيس ترامب نفسُه قد عرف مسبقًا بهذه الطلعات الاستطلاعيّة أم لا، وذلك انطلاقًا ممّا يمكن أن تفضي إليه الإجابة عن هذا السؤال من استنتاجاتٍ وما يمكن أن تعكسه من مؤشّراتٍ وعِبَرٍ، وخصوصًا في مجال استبيان وإدراك حجم ما يُتوقَّع أن يندرج في سياق "الآتي الأعظم" إلى هذا العالم، على أساس المثل القائل (بتصرُّفٍ): "إنْ كان ترامب يدري فتلك مصيبةٌ، وإنْ كان لا يدري فالمصيبة أعظم".


لا شكّ في أنّ شحّ المعلومات المتعلّقة بردود الأفعال الرسميّة على هذه الحادثة في كلٍّ من واشنطن وموسكو ساهم بدوره في الحيلولة دون انقشاع الرؤية عن دوافعها وأهدافها بشكلٍ كاملٍ، الأمر الذي لم يترك أمام المراقبين من خياراتٍ سوى البناء على تقييمٍ أوّليٍّ يمكن أن يؤدّي في محصّلته النهائيّة إلى استنتاجين مختلفين، يرتكز الأوّل على أنّه إذا كان الرئيس ترامب يدري، فإنّ من شأن ذلك أن يشكّل مؤشّرًا واضحًا على اضطراره للقيام بـ "الدعسة الناقصة" الآنفة الذكر، وبالتالي، دليلًا كافيًا للتأكيد على تراجع نسبة الآمال المعلَّقة على إمكانيّة الارتقاء بالعلاقات الأميركيّة – الروسيّة إلى مستقبلٍ أفضل، بينما يرتكز الثاني على أنّه إذا كان الرئيس ترامب لا يدري، فإنّ "المصيبة الأعظم" هنا تتمثّل في أنّ ذلك لا بدّ من أن يُضفي المزيد الصدقيّة على التسريبات والمعلومات التي ما زالت تتحدّث بين الحين والآخر عن وجود اختلافاتٍ وانقساماتٍ حادّةٍ في الرأي ما بين الإدارة السياسيّة في البيت الأبيض وما بين المؤسّسة العسكريّة في البنتاغون حول جدوى الأساليب التي ينتهجها العهد الأميركيّ الجديد لدى التعاطي مع الملفّات الإقليميّة والدوليّة الساخنة، ومن ضمنها جدوى الغزل الأميركيّ – الروسيّ المتبادَل، وهي الاختلافات والانقسامات التي لا بدّ لها من أن تفتح بالتالي باب الاحتمالات بشأن المستقبل الداخليّ في الولايات المتّحدة على مصراعيه، وخصوصًا في ضوء الزلزال الذي أحدثته استقالة مستشار الأمن القوميّ مايكل فلين على خلفيّة ما تمّ كشفُه عن "اتّصالاته الحسّاسة" مع المسؤولين الروس العام الماضي، والذي لا تزال تداعيات هزّاته الارتداديّة مستمرّةً لغاية اليوم.

عوارض "الرهاب" الروسيّ!

في هذا السياق، لا بدّ من الإشارة إلى أنّه على رغم إعلان المتحدّث الرسميّ باسم الكرملين ديمتري بيسكوف عن أنّ استقالة المستشار فلين هي "قضيّة داخليّة أميركيّة" لا ترغب الإدارة الروسيّة في التعليق عليها، وفقًا لما جاء على لسانه، فإنّ الموقف الذي عبّر عنه رئيس لجنة الشؤون الخارجيّة في مجلس النوّاب الروسيّ ليونيد سلوتسكي عن أنّ تلك الاستقالة "تُثبت أنّ ثمّة جهودًا تُبذل لتقويض العلاقات الروسيّة – الأميركيّة"، حمل في طيّاته الكثير من الدلالات الهامّة، وخصوصًا من جهة الإيحاء بفرضيّةٍ مفادها أنّه أصبح "من الواضح أنّ فلين أُجبر على كتابة خطاب استقالته تحت ضغوطٍ معيّنةٍ".

وإذا كان سلوتسكي لم يكشف عن هويّة الجهة الأميركيّة التي من الممكن أن تكون مسؤولة عن ممارسة تلك الضغوط، فإنّ النائب قسطنطين كوساتشيف الذي يرأس لجنة الشؤون الدوليّة في مجلس الاتّحاد (المجلس الأعلى في البرلمان الروسيّ)، سارع إلى التأكيد على أنّ استقالة المستشار الأميركيّ قد تكون علامةً على تزايد المشاعر المناهضة لروسيا في البيت الأبيض، مشيرًا في هذا المجال إلى احتمالين اثنين: "إمّا أنّ ترامب لم يحصل على الاستقلاليّة اللازمة ويَجري وضعه تدريجيَّا بشكلٍ ناجحٍ في مأزق، وإمّا أنّ رهاب روسيا أصاب الإدارة الجديدة أيضًا بشكلٍ كاملٍ".

انعطافة ترامب!

على هذا الأساس، يصبح في الإمكان إدراج مغزى التغريدة الاستفزازيّة التي نشرها الرئيس ترامب نهار أمس الأربعاء بخصوص قيام روسيا بضمّ شبه جزيرة القرم إلى مناطقها السياديّة على خلفيّة تداعيات الأزمة الأوكرانيّة عام 2014 في خانة "إمّا هذا وإمّا ذاك"، ولا سيّما إذا أخذنا في الاعتبار أنّ تلك التغريدة، وإنْ كانت تستهدف في الأساس توجيه انتقادٍ لاذعٍ للرئيس أوباما بسبب "ليونته المفرطة" مع قيادة الكرملين في الملفّ الأوكرانيّ، إلّا أنّ الخطأ الفادح الذي ورد فيها من خلال وصف خطوة ضمّ شبه الجزيرة بأنّها تمّت نتيجة عمليّة "غزوٍ روسيّ"، دلّ على ظهور انعطافةٍ حادّةٍ في لغة تخاطب الإدارة الأميركيّة الحاليّة مع موسكو، قياسًا بما كان عليه الحال أثناء حملة ترامب الانتخابيّة ولغاية الأمس القريب.

ولكن بغضّ النظر عمّا إذا كان هذا الخطأ قد ارتُكب عن سابقِ عزمٍ وتصميمٍ أو عن عدمِ درايةٍ وجهلٍ غيرِ مبرَّر، فإنّ تزامنه مع نشر المعلومات التي تحدّثت (نهار أمس الأربعاء أيضًا) عن اعتزام الولايات المتّحدة إرسال لواءٍ جوّيٍّ جديدٍ يضمّ ثمانين مروحيّةً عسكريّةً وأربعمئةَ جنديٍّ للتمركز في الأراضي البولنديّة، لا بدّ من أن يرجّح كفّة وجود سوءِ نيّةٍ تتحكّم بهذا السلوك الأميركيّ، تمامًا مثلما لا بدّ من أن يفسِّر أيضًا السرّ الكامن وراء حصر مجال الطلعات الاستكشافيّة الأخيرة نهار الاثنين الماضي فوق شبه جزيرة القرم وجيب كالينينغراد بالتحديد، أي داخل مجال تغريدة الرئيس ترامب وقرب مجال انتشار اللواء الجوّيّ الأميركيّ، علمًا أنّ ذلك كلّه لا يمكن أن يؤدّي في المحصّلة النهائيّة إلى شطب التساؤل عمّا "إنْ كان ترامب يدري أو لا يدري" من الحسابات، وخصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار أنّ لدينا من الشواهد التاريخيّة ما يكفي لكي نتعلّم أنّ المصائب التي تسبّبت بها السياسات الخارجيّة الأميركيّة في أماكنّ مختلفةٍ من العالم، بما فيها هذا الشرق الأوسط الحزين، عادةً ما تكون في أحسن الأحوال عظيمة، وغالبًا ما تصبح في أسوأ الأحوال أعظم.

وما بين هاتين الحالتين، فإنّ أغلب الظنّ هو أنّ المسرح الدوليّ يشهد في الوقت الراهن على إعادة صياغة قواعد اللعب الجديدة بين الولايات المتّحدة الأميركيّة وروسيا، إمّا على أساس مبدأ "توازن القوّة الناعمة" وإمّا على أساس مبدأ "توازن الرعب المخيف"، علمًا أنّ ثمّة من يقول أيضًا إنّ "الآتي الأعظم" في غمرة المصائب المرتقبة لن يخرج هذه المرّة عن إطار كونه مجرّد زوبعةٍ في فنجان.. وممّا لا شكّ فيه أنّ الأيّام القليلة المقبلة ستكون كفيلةً بتقديم الإجابات عن كافّة التساؤلات.. والمستويات!

نقلا عن موقع (لبنان24)