الأحد 26 مارس 2017
تصويت
مقالات
الأحد 8 يناير 2017 | 03:18 مساءً
| عدد القراءات : 403
تأثيرات السلفية في الصحوة الاسلامية/ اياد الجيزاني

اعتقد ان التيارات الالحادية التي سادت في اواسط القرن الماضي و كذا تيارات العلمانية و القومية و ما شاكل من التيارات الفكرية وضعت الاسلاميين على المحك و امام الامر الواقع في الوقوف بوجهها و التصدي لها و اعادة قراءة الدين و عرضه بصورة جديدة ليكون ملائما للحياة و خلال تلك التجربة الفكرية المحتدمة صحى المسلمون من غفلتهم ليؤسسوا لحراك صحوي في محاولة لاحياء ارثهم الحضاري الذي تهشم , نعم ذلك صحيح فردة الفعل كانت واضحة في ظهور الصحوة الاسلامية الا انه من الواضح وجود ذلك الادراك العميق في ذاكرة الامة و روحها الذي يدفعها لاعادة الدين الى الواجهة و لقيادة الحياة , ذلك الادراك الذي يستعيد مواقف الدين ازاء الحياة و يحفر في الذاكرة عميقا الهوية الاسلامية التي أسست لحضارة غيرت كثيرا من وجه التاريخ , ذلك الادراك الذي يعود بالانسان المسلم الى هويته الحقيقية حين تشتبه عليه الهويات و تتلاشى امامه الحقائق الزائفة.

 

انذاك كانت السلفية تيارا مستحكما في شبه الجزيرة العربية و لما يجد الظروف الموضوعية لكي يخرج عن تلك الجغرافيا ليمتد و كان تشكل الصحوة الاسلامية بعيدا عن تلك البقعة التي تعيش هادئة بسبب تركيبتها الاجتماعية و غيرها من الاسباب و لم تكن لصراعات الفكر الذي تحدثنا عنه فيها من أثر , و في السبعينيات تغير الوضع تماما اذ دخل البترول و ما رافقه من ارتفاع في اسعاره على خط المعادلة ليقلبها تماما كان الحزب الوهابي السلفي يعيش فوق بحر من البترول الذي بات يدر اموالا طائلة سرعان ما ظهرت اثارها في بناء مؤسسات و مدارس و مساجد و طباعة الكتب و المجلات و النشرات و بدأ الحزب الوهابي السلفي ينشط في مختلف بلدان العالم و كانت للرحلات الدعوية اثرها في ابراز هذا التيار و جعله في واجهة الصحوة ليدفع بها في اتجاه جديد غير الاتجاه الذي اختطته أنامل سيد قطب و محمد باقر الصدر و غيرهم من رواد الصحوة و مفكريها.  

 

على الجانب الاخر كانت و ما زالت البلدان الاسلامية تعيش بؤسا و حرمانا ساعد في انضاج عقلية متمردة لدى الشباب لان الحياة اصبحت بلا معنى في تلك البلدان و لايوجد بصيص امل في التغيير و هنا كانت قطاعات الشباب بحاجة الى من يحتضنها ليفرغ ذلك التمرد , فكانت السلفية الوهابية الحضن الدافيء الذي لاح لاولئك الشباب فدخلوا فيها زرافات لا يدرون الى اين سينتهي المطاف , و بأعتقادي فأن ذلك ما يمكن ان يضع لنا تفسيرا سيكولوجيا و لو جزئيا لظاهرة اقدام اعداد كبيرة من اولئك الشباب على القيام بعمليات انتحارية و رمي انفسهم في مغامرات قاتلة يخوض خلالها المنتمي اقسى التجارب ومع ذلك يكون مسترخيا و قادرا على ادارة المهمة المكلف بها بأعصاب باردة.

 

و استدراكا لا اعتقد ان كل التيارات السلفية هي تيارات جهادية و انما البعض منها هي تيارات دينية فقط و فقط و بعضها ربما سياسية , المهم في الامر ان الشباب المسلم وجد فيها ضالته و استطاعت ان تتلقفه ليعيش معها متنسما تاريخا مضى عليه 1400 عام .

 

السلفية في حقيقتها هي واحدة من نتائج التعبير عن لا وعي يعيشه المسلمين يحن الى ماض تليد و يعتقد انه العصر الذهبي للاسلام و ان عليه ان يعيد هذا الوضع بأية طريقة كانت.

 

من هنا ندرك نقطة رئيسية في الموضوع الا وهي ان هناك وعي (او لا وعي في كثير من الاحيان) اظهره بشكل جلي انتشار التعليم و تغير الظروف الاجتماعية و السياسية للمسلمين بعد تخلص بلدانها من الاستعمار و عيشها حالة الاستقلال في عقود منتصف القرن الماضي حيث استقلت معظم البلدان الاسلامية , هذا الوعي او اللاوعي يتمثل في ادراك الحاجة الى عودة الدين الى مسرح الحياة و الى العودة للامساك بدفتها .

 

هنا عادت السلفية ايضا لتكون حلا براقا لكثير من القطاعات في الامة الاسلامية و استطاعت خلال فترة من الزمن ان تصادر المشهد الاسلامي و تعتلي منبره و تتحكم في توجيهه مستغلة ذلك الادراك العميق الذي لم يجد اليد البيضاء التي تستطيع ان تصبه في قالب يعيد الحياة لذلك الدين بصورة تتناسب مع التغيرات الكبيرة التي شهدها و يشهدها العالم.

 

لقد مثل انتشار السلفية و اعتلائها صهوة الصحوة الاسلامية انتكاسة حقيقية لتلك الصحوة و لقد أخذت بزخمها بعيدا عن الاهداف المرسومة و التي كانت لتحقق نموذجا اسلاميا يمكن ان يشار اليه بالبنان في ظل صعود تجارب حضارية يعيشها شرق الارض و غربها.

 

 ان الانتكاسات الكبيرة التي مني بها الاسلام السياسي في تونس و مصر و السودان و انحياز احزابه و قواه الى جانب جماعات العنف و الارهاب في سوريا و ليبيا أشرت عمق المأزق و الفارق الكبير بين التفكير الطوبائي الذي بشر به السلفيون و بين واقع الحياة الذي تغير كثيرا عن واقع الحياة التي كان يعيشها المسلمون في صدر الاسلام و ما تلاه.

 

و لابد لهذه الصحوة التي تبددت الامال المعقودة عليها ان تعيد تشكيل نفسها عبر اعادة قراءة التجربة السابقة و تلافي اخطائها و اعادة الدين الى مسرح الحياة عبر منظومة وعي تعيد قراءة النص الديني من خلال فتح باب الاجتهاد و من خلال ادراك اللحظة التاريخية التي نعيشها , و هذين الشرطين بأعتقادي هما مفتاح الحل في اعادة الاسلام بصورته الوضاءة الى واجهة الحياة و دون ذلك خرط القتاد و سنجد انفسنا امام تجربة جديدة ستطوح بنا بعيدا كما طوحت بنا السلفية من قبل و حينذاك سنندم و لات حين مندم.