السبت 20 يوليو 2019
تصويت
مقابلات وتقارير
الثلاثاء 14 مايو 2019 | 11:01 مساءً
| عدد القراءات : 2335
لماذا تسعى تركيا إلى تحسين العلاقات مع العراق؟

متابعة/...تمكنت أنقرة في مارس (آذار) 2018 من التوغل في الأراضي العراقية مدعومة بغطاء جوي، لتتمركز قواتها في منطقة سيدكان العراقية، وتنشأ مواقع عسكرية ثابتة في مثلث حدودي بين العراق وإيران وتركيا.

هذا التوغل الذي جاء من أجل «تطهير المنطقة من عناصر حزب العمال الكردستاني» في جبال قنديل بإقليم شمال العراق؛ تكرر بشكل أوسع في يونيو (حزيران) 2018، حين قامت القوات التركية بنصب ثكنات عسكرية جديدة واستقدام آليات ثقيلة ودبابات، ومع ذلك فإن الاعتراض الحكومي العراقي على هذا التوغل يقرأ على أنه اعتراض خجول، إذ أن تركيا المعنية بتحقيق عدة مصالح لها في العراق، تتبادل هذا الطموح مع العراق نفسه الذي يريد من تركيا أن تساهم في إعماره، وأن تكون بديلًا عن التعاون الإيراني الدبلوماسي والتجاري.

خطوات تركية متعددة للتقارب مع العراق

اتخذت أنقرة مجموعة من الخطوات التي تنم عن تحرك قوي نحو مزيد من التقارب مع العراق، إذ لم تكتفِ تركيا بالإعلان عن نيتها إعادة تفعيل قنصليتيها العامتين في الموصل والبصرة، وفتح قنصليتين في محافظتي كركوك والنجف بالعراق خلال العام 2019 بهدف احتضان جميع مناطق العراق.

بل أعربت عن عزمها فتح معبر حدودي جديد مع العراق على بعد نحو 7 كيلومترات عن المثلث الحدودي التركي العراقي السوري، كما تعهدت بتقديم 5 مليار دولار  في عمليات إعادة العراق، وأبدت أيضًا استعدادها رفع تأشيرات الدخول عن مواطني العراق، ومن المتوقع أن يقوم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بزيارة للعراق نهاية العام الجاري استكمالًا للمشاورات والاجتماعات السابقة التي جرت بين مسؤولي البلدين.

وترتكز تركيا في علاقاتها مع العراق على عاملين رئيسيين، أولهما: تحقيق الأمن الجيوسياسي. فأنقرة تدرك خطورة تقسيم جارتها العراق عليها، وهي من لمست ذلك الخطر بعد سيطرة  تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» على الموصل العراقية في يونيو 2014، إذ لم يقتصر الأمر على توقف عمليات نقل البضائع التركية إلى ما بعد المنطقة الشمالية العراقية، بل ارتفع منسوب التهديد الأمني على تركيا.

وثاني تلك العوامل هو الأمن الاقتصادي، إذ تمتلك كلا البلدين مقوِّمات تساعد على تحقيق التكامل الاقتصادي بينهما، فالعراق بحاجة لإنقاذ بنيته التحتية وتركيا لديها قطاع مقاولات ضخم، وهو قطاع له مكانة هامة في سوق التعهدات العراقي، منذ دخل هذا القطاع السوق العراقية للمرة الأولى في 1981، وازدادت أنشطته بشكل كبير بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، إذ ساهمت الشركات التركية في إنجاز 645 مشروعًا، في مجال البنى التحتية، والفوقية، في الفترة ما بين 2003 و 2012، بقيمة 12.9 مليار دولار.

يوضح المحلل والباحث التركي طه عودة أوغلو، أن العلاقات التركية العراقية شهدت في الأشهر الأخيرة تطورًا لافتًا، تجسد في زيارات متبادلة على أعلى المستويات في حكومة البلدين؛ كان آخرها زيارة مهمة لوزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو في الثامن والعشرين من أبريل (نيسان) الماضي. ويعقب أوغلو على هذه الزيارة بالقول: «أكثر ما ميز الزيارة أنها لم تقتصر على البعد السياسي بين البلدين، بل تعدت لقاءات مع كافة عناصر الطيف السياسي العراقي كما أخذت بعدًا اجتماعيًا من خلال اجتماع أوغلو مع العشائر العراقية».

ويوضح أوغلو خلال حديثه لـ«ساسة بوست» أن التطور الملحوظ في العلاقات التركية العراقية نابع من قناعة تركية بضرورة تصفير مشاكلها مع جيرانها خصوصًا أن أنقرة تأثرت على الصعيد الاقتصادي من جراء المتغيرات السياسية التي طرأت في المنطقة خلال الأعوام الأخيرة. وفيما يتعلق بملفي الأمن والماء وهما من أكثر الملفات أهمية وحساسية في العلاقات العراقية التركية، فالملفان يجعلان بغداد وأنقرة في قناعة راسخة مفادها أن الدبلوماسية هي الوسيلة الأنجع في معالجة هاتين القضيتين الحساستين لهما.

ويعقب أوغلو بالقول: «على هذا الأساس فإن العلاقات التركية العراقية المتميزة هي الخيار الوحيد أمام البلدين، وهو ما دأب مسؤولو الجانبين على تقويتها وجعلها هدفًا دائمًا مستمرًا للتطوير رغم تعرض العلاقات للكثير من الأزمات خلال العامين الماضيين».

«طوق نجاة» للعراق.. هل تصبح أنقرة بديلًا عن طهران؟

تقبلت الدول العربية وخاصة الخليجية المجاورة للعراق بعد الغزو الأمريكي عام 2003، التفاعل التركي في العراق، وذلك خشية من تنامي النفوذ الإيراني في هذا البلد.

أما واشنطن التي رغبت في أن تدخل أنقرة بقوَّة في التحالف ضد «داعش»، فقد رأت مصلحة في تقارب الحكومة العراقية مع أنقرة، بجذب الأخيرة إليها للتوافق حول ملفات المنطقة العديدة، كما أن طهران ذات النفوذ القوي في العراق، والمعنية باحتواء أنقرة في القضية السورية وإبعادها عن التجمُّع الخليجي، نظرت بعين الرضا للتحركات التركية في العراق، ومنها تدخل تركيا في محاربة «داعش».

وحسب تقرير مجلة «ناشونال إنترست» فتركيا استغلت الصراع الإيراني الأمريكي على النفوذ في العراق، لتكون في موقع يؤهلها للقيام بدور مفيد بديل عن الدور الأمريكي، باعتبارها جارًا أقل عدوانية من إيران، خاصة مع وجود اتفاق بين أمريكا وتركيا حول سوريا، يقوم على دفع تركيا نحو العمل على التخفيف من آثار طموحات طهران التوسعية في المنطقة.

ويفيد التقرير بأنه: «ينظر إلى تركيا على أنها محايدة وكبيرة بما فيه الكفاية ليكون لها نفوذ، وصغيرة بما فيه الكفاية لئلا تميل للمواجهة، ويحيط بالعراق القليل من الأصدقاء والحلفاء، بالإضافة إلى الكثير من العواصم التي تهمها مصالحها، وفي المقابل فإنه ليس لدى تركيا ما تخافه من العراق أو جاراتها، كما أن نفوذ تركيا في المنطقة يمنحها دور الوسيط الأمين».

بيد أن قرار العقوبات الأمريكية الجديد على إيران، غير مجرى الأمور وأصبح التقارب التركي مع العراق يحل في خطوات عديدة بديلًا عن الإيرانيين، إذ منحت السوق التركية فرصة كبيرة، لأن تصبح المصدر الأول لواردات العراق من السلع بديلًا عن السلع الإيرانية، كما أن تركيا التي يهمها الحصول على النفط والطاقة من العراق، قد وجدت في العراق البديل، بعد أن أصبح اعتمادها  على 75% من حاجاتها للطاقة على إيران مهددًا بفعل العقوبات الأمريكية، وهي الآن تسعى لأن يكون العراق بديلاً استراتيجيًا أمثل لتوفير حاجاتها من الطاقة.

ويذكر تقرير وكالة «بلومبرج» الأمريكية أن أنقرة الآن تبحث عن وسائل لزيادة مشترياتها من النفط العراقي، مثل التفكير في استيراده من ميناء البصرة جنوب العراق، وذلك بعد إنهاء الإعفاءات الممنوحة لها لشراء النفط الإيراني بعد فرض واشنطن عقوبات على إيران. ويؤكد التقرير على أن «تركيا تعمل مع إيران على وضع آلية للالتفاف على العقوبات الأمريكية التي تهدف لوقف التجارة مع طهران، ورغم أن تركيا تدافع منذ فترة عن طهران باعتباره ضرورة استراتيجية، إلا أن مواجهة العقوبات الأمريكية مسألة يمكن أن تكون محفوفة بالمخاطر».

وتوضح الوكالة أن «عقوبات واشنطن على طهران قد تؤثر سلبًا على الاقتصاد التركي، الذي دخل العام الماضي أول مرحلة ركود منذ عقد، فاحتمال ارتفاع أسعار النفط بسبب العقوبات الأمريكية على إيران أو خطر المواجهة مع الولايات المتحدة لا يبشر بالخير للعملة التركية، التي تتعرض لاضطرابات منذ فترة».

لهذه الأسباب تسعى تركيا إلى تحسين العلاقات مع العراق

يمكن القول بأن تركيا ترى في العراق خيارًا استراتيجيًا يدعمها في مواجهة المتغيرات من حولها، هذه المتغيرات التي أثرت سلبًا على اقتصادها في السنوات الخمس الأخيرة، ولذلك مضت مؤخرًا نحو تصفير مشاكلها مع الجارة العراق.

وفي قراءة لدوافع أنقرة نحو مزيد من التعاون مع بغداد، يمكننا البدء بالحديث عن المنفعة الاقتصادية، إذ تبحث أنقرة عن مزيد من الاستثمارات الاقتصادية عبر الدخول في عملية إعادة الإعمار في العراق، بالإقدام على تطوير منشآته الاقتصادية والإنمائية، وبناء المعامل وإنشاء المجمعات السكنية والطرق والجسور وسكك الحديد والسدود وشبكات الري المختلفة، فتركيا تمتلك القدرة على إعادة إعمار البنى التحتية التي يعد العراق بأمس الحاجة إليها.

وفي الحقيقة، يعد ذلك دافعًا مشتركًا، فالعراق نفسه معني بالتوجه نحو تركيا بديلًا عن إيران الذي حيل بينه وبين التعامل التجاري والاقتصادي معها، فبعد أن كان حجم التبادل التجاري التركي العراقي بين عامي 2003 و2004 دون المليار دولار، أصبح 30 مليار دولار سنويًا، ويستمر البلد الأقرب جغرافيًا للعراق بإغراق السوق العراقية بسلعه، إذ يسعى البلدان إلى وضع آلية تنهض بالصناعة العراقية من خلال التوأمة بين القطاعات الإنشائية والخدمية والصناعية، ولذلك من المرشح رفع التبادل التجاري مع تركيا، ليصل إلى 100 مليار دولار.

أما الدافع الذي لا يقل أهمية عن كل ما سبق، فيتمثل في إصرار تركيا على مواجهة «عدوها اللدود» حزب العمال الكردستاني (PKK) في الأراضي العراقية، إذ يوجد للحزب معسكرات ومقرات في جبال قنديل الخاضعة لسلطة إقليم شمال العراق، وكذلك في سنجار والمناطق التي تقع تحت سيطرة الحكومة العراقية المركزية. بل وتطمح أنقرة بالقيام بعملية عسكرية ضد عناصر «بي كي كي»، ويساعدها على هذا الطموح وجودها العسكري في شمال العراق. حيث لها «قاعدة بعشيقة» ونشرت فيها عام 2015 فوجًا من 150 جنديًا و25 دبابة تدريب، وعزت أنقرة وجودها هذا لتدريب العراقيين على محاربة «داعش»، وتتحدث مصادر تركية الآن عن أن حجم الجنود الأتراك الموجودين في العراق يقارب 3 آلاف جندي، يستمر هؤلاء في ملاحقة عناصر تنظيم «بي كي كي».

بيد أن الحكومة العراقية التي طالبت الأتراك بالانسحاب في أكثر من مناسبة، وخاصة عقب إعلان أنقرة في مارس 2018 السعي لإطلاق عملية عسكرية في شمال العراق من أجل «تطهيره من العناصر الكردية المسلحة»، يبدو أنها خضعت لإقناع تركي بالتعاون في القضاء على «حزب العمال الكردستاني» على طول الحدود التركية، بدليل تغاضي العراق عن العمليات التركية عبر الحدود، وآخرها عبور قوات خاصة تركية إلى سنجار واعتقال أربعة أشخاص ونقلهم إلى الأراضي التركية.انتهى 1

المصدر: ساسة بوست