الأحد 16 ديسمبر 2018
تصويت
مقالات
الأثنين 19 نوفمبر 2018 | 07:12 مساءً
| عدد القراءات : 1747
عن النضال الشعري/ عبد العظيم فنجان

بعد ساعات قليلة أكون قد بلغت الثالثة والستين من العمر: تذكرتُ اليوم فيلم "إنهم يقتلون الخيول، أليس كذلك؟" حين استلمت كتاب انفكاكي من الوظيفة: إنها بداية التقاعد، التي اقترنت ـ يا للأقدار ـ بيوم مولدي ، لكن لا، لستُ الفرس الخاسر، ولا الرابح، فأنا بطل على طريقتي، التي لا تتفق مع باقي الطرق في صناعة الأبطال، وأنا ـ أيضا ـ مَن شاهد كل شيء واكتفى بحصته من الأسى ومن الدموع، مازلتُ أمسك بالكلمة، ألويها وأدق عنقها، كي تنفذ مآربي الشعرية، والأهم من ذلك: أنني حافظتُ على طاقة الحب، وسمحتُ لروحي أن تكون متوهجة، رغم كل الخراب.

لا أحد، عدا الأقرب جدا، يعرف أنني كتبتُ أو استلهمتُ معظم قصائد الحب في أكثر مناطق العراق اشتعالا وفتنة: منطقة جرداء، مرمية على أطراف الصحراء، ومنها انبثق تنظيم القاعدة الإرهابي المعروف، وفيها انتشر كالوباء الفكر الوهابي والسلفي، وقد عشت فيها مدة عشر سنوات، حياة شبه كاملة.

يا للكتابة ! كم تنطوي على طاقة وحيوية ؟!

كنت قد اعتزلتُ العمل السياسي مع حدوث صدمة ما بعد 2003، اعتزلت السياسة وفق مفهومها الشائع، لكنني مارستها وفق المفهوم الجمالي، الغائب عن حياتنا العربية عامة، والعراقية خاصة فتبنيتُ مفهوم "النضال الشعري": كل قصيدة جميلة هي دعم لإرادة الحياة، وهي بيان جمالي ضد القبح والخراب والبؤس الذي قادتنا إليه أحزاب ما بعد 2003.

لم يفهم أقرب أصدقائي الشعراء معنى تحولي السريع من القصيدة التي تتماهى مع علو الأفكار، إلى القصيدة التي تتناغم مع مشاعر القلب، والسبب بسيط، لكنه جوهري جدا، ذلك أن الأفكار، مهما كانت عالية، تجعلك خارج المعركة المباشرة مع أعداء الحياة، قد يفهم هذا مَن يعتبر عودته إلى البيت سليما، حيا ومعافى، نعمة كبيرة، وقد لا يفهمه إلا مَن حفظ، عن ظهر قلب، خارطة العنف الذي ينتظره في الطريق، لكثرة ما تعرّض للاختطاف، ولكثرة ما تلقى رسائل التهديد المباشرة وغير المباشرة، لأنه يعمل في منطقة تهيمن عليها السلفية، وهو محسوب، عنوة، على الشيعة.

عندما يُحسب لك حسابا كخصم، في معركة لا تخصك، ستفهم معنى المقاومة، وإرادة التشبث بالعيش، عبر الشِعر الذي يتناغم مع بهجة الحياة، وهذه البهجة، حسب تجربتي، لا يوفرها إلا شعورك بالحب، حتى لو كان ذلك الشعور وهما: بعضُ الوهم خيرٌ من جحيم الحياة!

هكذا صرتُ ـ كشاعر ـ نقطة جذب لكل أنواع الكره والمحبة، في تناقض غريب، لكنه مفهوم وواضح، فكل الأغبياء ـ مع احترامي للقارئ ـ اعتقدوا أنني أكتب شعري لتصيّد النساء، بل وصل الحد إلى زرع الشتائم على صفحتي: وهي شتائم لاذعة، جعلتني على تماس حقيقي مع أولاد شوارع، لا مع مثقفين.

هناك شاعر، مثلا، كان يكلف صبيانه بغية إرسال رسائل سخيفة وحقيرة عبر بريدي، كما أنه انتدب أتفه ما في الوسط الثقافي من تافهين، ومتاجرين بهواجس الناس، بكتابة تعليقات أو منشورات سوقية، ضدي: هذا الشاعر سيكون في أول موكب الندابين، الذين سيستعرضون خواء أرواحهم مع نفاقهم، بعد رحيلي، فهؤلاء لا يجيدون العيش إلا على جثث الموتى، كديدان المقابر!

من تلك اللحظة السوداء، من تلك الشتائم، لا من كلمات المديح، عرفتُ أنني سلكتُ الطريق الصحيح، بل واكتشفت أيضا كم أن شعرنا العراقي بالذات خال من قصيدة الحب، باعتبارها موقفا من الموت المجاني، من الكراهية، ومن وجود طبقة ثقافية وسياسية فاسدة، لا ترى في الشعر غير وظيفته السياسية المباشرة.

نعم، إن حياتنا العراقية، مع حياتنا العربية، مليئة بالخطب الرنانة، بالبلاغة الحربية، وقصيدتي مكتوبة بالضد من هذه البلاغة ومن هذه الخطب، وهذا هو موقفي النضالي، فللطغاة العراقيين، وللطغاة العرب، لغتهم، ولي ـ مع كل الخائبين ـ لغتنا المخالفة، غاية ووسيلة.

لكن.. أشعرُ أنني موشكٌ على الرحيل، ولم أكمل أنجاز ما كنتُ أصبو عليه، حسبي أن هناك مَن سيكمل تشييد زقورة الحب العراقية، وحسبي أنني حاولتُ أن أحول القصيدة إلى تمرين حياتي، يومي ونفسي وروحي، دون أن أتخلى عن مدارات الفلسفة أو الحكمة.

لستُ آسف على أي شيء بدر مني، ليس بمعنى أن ما فعلته كان صحيحا، لكن بالمعنى الذي قاله الرجل العظيم علي بن أبي طالب: "إن في العدل سعة"، وأنا أؤمن بمثل هذا العدل أو بضرورة هذه العدالة، التي تتفهم أنني صرتُ شاعرا معروفا، دون مؤازرة حزب أو طائفة أو جماعة أو شلة، وأنني عشتُ وحيدا، في عصر ينطوي على كل أنواع النذالة، وهذا يكفيني اعتزازا: "لقد استحمّتْ حياتي بمياه الحروب، ومع ذلك لم أخرج منها إلا ملاكا"!

أريد أن أشكر أعدائي أولا، لأنهم حفّزوني على تجاوزهم، أوهموني بأنني أعني شيئا، وحرضوني على أن أنبش دواخلي، بحثا عن اللؤلؤة التي تستفز فراغهم النفسي والروحي، نتيجة اختلاقهم أتفه القصص، التي لم أرد عليها، إلا بكتابة الشعر الذي يخاطب جوهر الإنسان وروحه، عندئذ سيفهم قراء صفحتي الجملة التي كنت أكرر نشرها عن ضرورة الأنذال في الحياة. من المؤكد أن هناك مَن سيكتشف السخرية المريرة في هذا الشكر.. أريد أيضا أن أشكر الألم، فلولاه لما توهّجتُ، ولما عشتُ بروح تفيض بعافيتها على الأشياء، فتفعل بها ما يفعله السحر.

الشكر الحقيقي لكم وللمتابعين، ولكل المجهولين، الذين لا أعرفهم شخصيا، وهم يتناقلون، كل حسب طريقته، قصائدي، أو يحتفون بها كتميمة تقيهم وتحميهم من قبح العالم، وكل عام وانتم بخير!