السبت 15 ديسمبر 2018
تصويت
مقالات
الأربعاء 19 سبتمبر 2018 | 11:25 مساءً
| عدد القراءات : 3361
تجليّاتٌ في فكر الحسين

محمد تحسين الحياني 

. . آه على العهد عندما يُخان آه على القلب عندما يُجرح آه من الحبيب عندما يغدر آه من الإنسان عندما يتلوَّن الكلمة شرف والوعد شرف والأرض شرف والدماء شرف والله شرف وكربلاء شرف والجوع شرف والموت من أجل الكرامة شرف والثورة على الطغاة شرف والظمأ شرف ودموع الأطفال شرف وعرق الشيخ الكبير شرف والمحنة شرف والبلاء شرف والصبر شرف والحسين شرف والبصرة شرف  الموت على يد ظالم جبار انتصار والوقوف بوجهه فخر واستكبار ونكث العهود ذل وعار إنَّك تكتب كلمة فتوقد من تحتها ناراً فتشتعل بها المسامع إنَّك تعجل برحلك لكي لا تبقي أثراً ولا يسمع عنك خبرا تقلب الصفحات تقرأ التاريخ فتذهلك الأحداث وتدهشك المجريات  هل البطولة تباع هل الشجاعة تشترى وهل الشهادة لها ثمن بماذا نسقي أصحاب القبور  الذين ما زالت أجداثهم مخضرة بدماء الشرف لم يخرج الحسين من يثرب إلى عراق الكوفة باحثاً عن سلطة أو طالباً لحكم فاسمه يكفيه ويغنيه عن كلِّ مسمَّى فمنزلته أعلى المنازل ومرتبته أسمى المراتب فما أعظمها من منزلة عندما يكون مثواك قبلة لكل يائس بائس مظلوم مضيوم مهضوم وما أسماها من مرتبة عندما يكون يوم استشهادك تقويما للخالدين والمنتصرين والفاتحين في ذكرى استسهادك تصدح الحناجر وتعلو الهتافات  وتقبل الوفود وتتجمهر الحشود من كل صوب وحدب تتوسل القرب إليك تتذلل حبا بين دفتيك تقبل التراب الذي ظما وجنتيك تطلب اللقاء واللقاء يعز عليك ماذا لو لم يخرج الحسين؟ ماذا لو بايع الحسين؟ ماذا لو بقي ساكتاً؟ هل سيكون للظلم تعريف وللحياة معنى وللكرامة قيمة أم هل سيكون للحق طريق معلوم كيف سيكشف المتخاذلون والمارقون والمتسترون بجلباب المكر والخديعة إن خروج الحسين مصطحبا أهله من النساء والصبية ونفر قليل من الرجال هو مدرسة من المعارف وضرب من الأنوار كُشفت من خلالها خربشات التاريخ الذي أرادوا أن يستروه   بفكرهم الضال والمنحرف والمشعوذ لم يكن الحسين يطمح إلى ولاية ولا قيادة ولا  ولا مسؤولية بل أراد أن يكشف الحقيقة  وإن يفضح كلَّ دخيل وإن يمسح غبار الخديعة وإن يسقط الأقنعة المزيفة وقد يسأل سائل ما هذه الأحداث التي التصقت تفاصيلها وارتبطت  بعمق الزمن مع أن القيادة الظالمة والجوقة الضالة  بقيت تحكم من آنذاك إلى يومنا هذا وجعلت من ذاتها وصية على النفوس بل وصية ووكيلة على دين مهزوز لم تُدار أركانه إلا بالعبثية المقيتة والرعونة الحمقى والدكتاتورية الشرسة ولم يحكم أصحابه إلا بالترهيب والتخويف والتحذير أليس من الهين السهل أن تمحى الحقائق من السجلات وتخفى الأسماء من القيود ولأنها لم تكن واقعة عابرة ولا حادثة زمنية وقتية ولا تخطيط مسبق له ولا تدبير شخصي مُعد من قبل بل كانت صفحة خلود عالقة في الأذهان وحدث إنساني لا ينسى من الذاكرة لما يحمله من بشاعة المنظر ووحشية المعاملة وقساوة القلوب أنه الفداء من أجل البقاء بقاء كرامة كل إنسان على وجه الأرض أنها التضحية بالنفس والمال والبنين من أجل مصير أمة وتغيير سلوك الفكر البشري وتعرية الستائر المختبئة خلفها الهمجية العمياء والفكر الدوني والتعصب المتوحش أنَّها الشجاعة المؤمنة والملهمة باليقين الثابت لم يرفض الحسين الشخوص ولا الواقع المجبول ولا الحال المسير بل رفض السلوك العبثي والمنهجية المغلاة بزيت الفوضى والثرثرة والتعنت لقد اعترض  على سياسة رفض الآخر وقبول الواقع بالإكراه إنَّه يحاول استرداد القيمة الإنسانية ويفك شفرة السلوك الديني والايدلوجي القائمين على الطاعة العمياء والولاء الأهوج فثورة الحسين لم تكن لتختزل هذا الكم الهائل من الحب والوفاء والإعجاب لولا أنها كانت ثورة صادقة نطقت باسم كل مقهور على بقاع الأرض ما فعله الحسين يعجز عنه كل شجاع فعله ويجهل كل لبيب تفسيره  أنَّها المضاهاة في الفداء والصدق في الإقدام والولع في التضحية لم يقل الحسين هيهات منَّي الذلة بل قال هيهات منّا الذلة وهذا ليس معناه أنهم كانوا جماعة بل يحمل تفسيرا أعمق ومعنى أبلغ وأدق إنَّه يُشدُّ الماكنة الإنسانية ليعيد صياغة ديناميكيتها على وجهتها وأطرها الطبيعيين ويطرح منهجية تتجاوز في مُثلها وغايتها الإنسانية يرفض لك من خلالها ممارسة أي دين من الأديان يقوم على الخضوع والخنوع والإكراه والإجبار فالأستقلالية في التعامل والتفكير المطلق المجرد  لديه أهم من الرضوخ لفرضية الواقع والقدريات السماوية  وقداسة الذات أهم من القديس نفسه التمرد والثورة على سياسة العزل وإقصاء الرأي الذاتي والسكوت من أجل بقاء سياسات دين يحرم المجموعات من التعبير الذاتي والتحرير الفكري في فكر الحسين أهم من الدين نفسه ورغم التنبيهات والتحذيرات من رفاق الحسين بأنه عليه الرجوع وأنَّ ابن عمه ورفيقه مسلم بن عقيل قد ذُبح وأن شعب الكوفة قد نكثوا البيعة حتى أن أحد أصحابه  قال له : أنك بضعة من جدك رسول الله والله لا يليها أحد منكم أبدا وما صرفها الله عنكم إلا هو للذي خير لكم لكن الحسين أبى الرجعة أبى وفي داخله غصة أبى وفي قرارة نفسه كمد أبى وأصرَّ على المسير نحو العراق لأنَّ الانتصار في ميزان الحسين ليس بالربح والخسارة وليس في إذا ما ذهب سيقتل وإن الأمر محسوم والنتيجة واضحة لم يكن الحسين يحمل مشروعا دينيا اصلاحيا بقدر ما كان يحمل رسالة جلية  وقضية إنسانية خالدة فمن يأتي بأهله من النساء والصبية الصغار متجها إلى موطن الموت وموقع الخطر لا تتصور أنه يلوذ لسلطة أو ولاية أنه يرسم طريقا صريحا ويؤسس تعريفا واضحا لكل أشكال الاضطهاد والجبروت الذي بنيت عليه المفاهيم الدينية الخاطئة والمزورة ويجعل من نفسه وذريته وأهله وصحابه نقطة انطلاق ضد الهيمنة الشرسة أصحاب الكلمة الجائرة الذين نصبوا أنفسهم بأنهم خلفاء الله وأنهم أهل المنهج الحق فبرهن الحسين عبر الأزمنة للبشرية كلها أن هؤلاء ما هم إلا لصوص الله على الأرض وأي كلمة تعارض أهدافهم أو تجرح مشاعر سلطانهم فإنهم مستعدون لقمعها وقتل صاحبها وحتى وإن كان سبط النبي محمد بل حتى وإن كان محمد نفسه فهي رسالة امتدت عبر الفصول الزمنية إلى يومنا هذا ومن يظنُّ أنَّ محنة الحسين محنة شخصية تاريخية انقرضتْ ولم يبقَ إلَّا أنَّ نشمَّ رائحة الدماء الزكية وأن نحيي الذكرى فهو يوهم نفسه هاهي العصور على ماضيها وحاضرها تعاني الظلم والجبروت والجور والحيف هاهي ينابيع شط العرب امتلأت دماء فتية البصرة العطشى ها هو الزمن يستذكر مآسي الحسين بشعب البصرة المحاصر والمكبل والمقهور الباحثين والطالبين قطرات الماء ليروا عروقهم كما طلبها سيد الشهداء وزعيم الخلود فقتلوهم كما قتلوا الحسين ومن معه والمقتول هو المنتصر الرافع الجبين والخالد عبر الأزمنة فمصاب أهل البصرة لا يقل حزنا ولا يختلف معنى عن مصاب شهيد التاريخ والمظلومية والإنسانية ولا تستغربوا ولا تنتابكم الدهشة والحيرة أنكم ترون من يدعون أنهم سائرون على خطى الحسين متبعون أهدافه منفذون لمشروعه الإنساني ترونهم هم من تقتل على أيديهم شباب البصرة الذي ملأت أفواههم ظمأ وتُباد ثورتهم السلمية والنقية وتسقط خيرة الشباب قتلى  برصاصهم  الذين لم يطالبوا إلا بحياة عزيزة وعيش كريم فلا تتعجبوا من من يهتف باسم المظلومية التي خرج بها الحسين أنهم اليوم يقتلون كل صوت جاء به ويدحرون كل كلمة قالها ويرهبون كل نفس تقتفي أثره ويبقى صوت المظلوم يرعب كل سلاطين الأرض الغارقين نعيما والفارشين جثث الجوعى سجادا يدسون عليها بأقدامهم  نمضي وتمضي الأيام وتبقى عذابات الحسين توزاي عذابات التاريخ برمته